أ.د. هيثم علي حجازي يكتب: اختيار الوزراء: حين يجب أن ينتصر منطق الدولة على منطق الأشخاص

منذ 3 ساعات
المشاهدات : 27282
أ.د. هيثم علي حجازي يكتب: اختيار الوزراء: حين يجب أن ينتصر منطق الدولة على منطق الأشخاص
د. هيثم علي حجازي

د. هيثم علي حجازي

لم يعد مقبولاً أن يبقى اختيار الوزراء محكوماً بالاعتبارات التقليدية ذاتها: اعتبارات المجاملة، أو التوازنات، أو العلاقات الشخصية، أو غير ذلك. فالوزارة ليست وجاهة عامة، ولا مكافأة نهاية خدمة، ولا محطة عبور في السيرة الذاتية، بل هي مسؤولية وطنية كبرى، يتولى فيها الوزير إدارة قطاع عام يمس حياة الناس وحقوقهم ومصالحهم اليومية. وقد أعاد طلب رئيس الوزراء من أحد وزرائه تقديم استقالته، سؤالاً مهماً إلى واجهة النقاش العام: كيف ينبغي أن نختار الوزراء؟ وهل تكفي الكفاءة الفنية أو الخبرة السياسية وحدها لتولي المنصب الوزاري؟ أم أن المنصب العام يحتاج، قبل كل شيء، إلى منظومة متكاملة من النزاهة والحوكمة والرقابة الوقائية؟
إن أهمية هذه الواقعة لا تقف عند حدود استقالة وزير أو مغادرة شخص لموقعه، بل تتجاوز ذلك إلى الرسالة المؤسسية التي ينبغي أن تُبنى عليها قاعدة عامة في الإدارة العامة، مفادها أن المنصب الوزاري ليس امتيازاً سياسياً أو وجاهة اجتماعية، بل هو أمانة دستورية وأخلاقية. فالوزير ليس مجرد قائد لوزارة، وإنما هو صاحب سلطة عامة يوقّع، ويوجه، ويؤثر، ويمتلك القدرة على فتح الأبواب أو إغلاقها أمام مصالح اقتصادية واجتماعية واسعة. ولذلك فإن أي شبهة تضارب مصالح، حتى إنْ لم يثبت معها وجود مخالفة جزائية، قد تكون كافية لإضعاف الثقة العامة إذا لم تُعالَج بسرعة ووضوح وشفافية.
وتشكل أخلاقيات العمل بعداً أساسياً في هذا المجال، لأنها تمثل الجسر بين النص القانوني والسلوك العملي للمسؤول العام. فالقانون قد يحدد ما هو مسموح وما هو ممنوع، لكن أخلاقيات العمل هي التي تدفع صاحب المنصب إلى تجنب الشبهة قبل وقوع المخالفة، وإلى تقديم المصلحة العامة على أي منفعة شخصية أو عائلية أو حزبية. فالوزير، بحكم موقعه، لا يكتفي بإدارة السياسات والقرارات، بل يقدم أنموذجاً سلوكياً للعاملين في وزارته وللمؤسسات التابعة لها. ومن ثم فإن الالتزام بقيم الأمانة، والحياد، والشفافية، واحترام المال العام، وعدم استغلال النفوذ، واحترام وقت المواطن وحقه في خدمة عادلة، يجب أن يكون جزءاً من شخصية المسؤول العام لا مجرد نص في مدونة سلوك. وعندما تتحول أخلاقيات العمل إلى ثقافة يومية داخل الحكومة، تصبح النزاهة ممارسة مؤسسية راسخة، لا إجراءً مؤقتاً يظهر فقط عند الأزمات.
إن الخلل لا يبدأ، عادة، عندما تنكشف الشبهة أمام الرأي العام، بل يبدأ عندما يصل الشخص إلى منصبه من دون تدقيق وتَحَرٍّ كافيين عن مصالحه، وشركاته، وأقاربه، وشبكة علاقاته، ومصادر دخله، واحتمالات تعارضها مع موقعه العام. وبالتالي، فإن الاستقالة وحدها لا تكفي، مهما كانت خطوة ضرورية وإيجابية، لأن المطلوب ليس معالجة الأعراض فقط، بل إصلاح الآلية التي سمحت بحدوث الخلل أصلاً.
من هنا، فإن الآلية الإيجابية لاختيار الوزراء يجب أن تشمل ثلاثة مكونات: (1) التدقيق والتحري. وتبدأ هذه المرحلة قبل التعيين لا بعد وقوع الأزمة. فالدول التي تطبق مبادئ الحوكمة لا تنتظر وقوع الخلل ثم تبحث عن العلاج، بل تبني نظاماً وقائياً يقلل، قدر الإمكان، من فرص تعارض المصلحة الخاصة مع المصلحة العامة، ويمنع وصول هذا التعارض إلى مرحلة تهدد ثقة المواطنين بالدولة ومؤسساتها. وهذا يتطلب أن يخضع المرشح للوزارة لعملية تدقيق مؤسسي سابق للتعيين، لا يقتصر على سيرته الذاتية أو خبرته المهنية، بل يشمل الإفصاح المالي، والمصالح التجارية، وعضوية مجالس الإدارة، ومصالح الأقارب من الدرجة الأولى، والعقود الحكومية المباشرة وغير المباشرة، والعلاقات التي قد تؤثر في استقلال قراره. وعليه، يجب إنشاء وحدة مستقلة داخل رئاسة الوزراء أو ضمن جهة رقابية مختصة، تكون مهمتها فحص تضارب المصالح للوزراء وكبار المسؤولين قبل التعيين وبعده. إن عملية التدقيق والفحص لا تعني بأي شكل من الأشكال التشكيك المسبق في الأشخاص أو النيل من سمعتهم، بل على العكس، هي حماية لهم وللدولة في الوقت نفسه. فالوزير الذي يدخل الحكومة بعد فحص وتدقيق واضحين، وإفصاح كامل، وتعهد مكتوب بإدارة أي تضارب محتمل في المصالح، يكون أكثر قدرة على أداء عمله بثقة واطمئنان. كما أن المواطن، حين يعلم أن هناك آلية حقيقية للتدقيق والاختيار، يشعر أن الدولة لا تُدار بالمجاملات ولا بالمفاجآت، بل بقواعد معلنة تطبق على الجميع. (2) إنشاء قاعدة بيانات مركزية تربط بين أسماء المسؤولين وأقاربهم من الدرجات المحددة قانونياً، وبين الشركات والمصالح التجارية والعطاءات الحكومية، لا بهدف التشهير، بل بهدف الوقاية وحماية القرار العام. (3) تحويل مدونة السلوك الوزاري من وثيقة يوقّع عليها الوزير عند دخوله الحكومة إلى نظام عملي ملزم، له أدوات تنفيذ واضحة، لأن الهدف من ذلك هو ضمان حسن الأداء، والحرص على الصالح العام، والإفصاح عن أي احتمال لتضارب المصالح أثناء أداء الواجبات. وعليه، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في وجود المدونة، بل في تحويلها إلى ثقافة حُكْمٍ وممارسة يومية، تتضمن الإفصاح الدوري، والتحديث المستمر للمعلومات، وآلية واضحة للتنحي عن اتخاذ القرار عند وجود مصلحة مباشرة أو غير مباشرة.
ومن الضروري أن تقوم هذه الآلية على أربعة معايير متلازمة: (1) معيار الكفاءة، إذ لا يجوز أن يتحول المنصب الوزاري إلى مكافأة سياسية أو اجتماعية، بل يجب أن يُمنح لمن يمتلك المعرفة والقدرة على الإدارة وفَهْمِ القطاع الذي سيتولاه. (2) معيارالنزاهة، بما يشمله من سجل شخصي ومهني ومالي، ومدى الالتزام بالسلوك العام. إن النزاهة لا تُقاس فقط بعدم وجود فساد مثبت، بل تُقاس أيضاً بقدرة الدولة على تجنب شعور المواطن بأن النفوذ يفتح أبواباً لا تُفتح لغيره. ففي الإدارة العامة، المظهر مهم كما الجوهر. وقد يكون القرار قانونياً من حيث الشكل، لكنه مؤذٍ للثقة العامة إذا بدا للناس أن موقع المسؤول منح قريباً أو شريكاً أو جهة مرتبطة به فرصة أفضل من الآخرين. لذلك فإن القاعدة الذهبية في المناصب العليا يجب أن تكون: لا يكفي أن يكون القرار سليماً، بل يجب أن يبدو بعين الآخرين سليماً أيضاً. كما أن النزاهة لا تعني فقط أن يكون الوزير غير متورط في فساد مباشر، بل تعني أيضاً أن يكون بعيداً عن مواطن الشبهة، وأن يدرك أن المنصب العام يفرض عليه، وعلى محيطه العائلي والمهني، التزامات أخلاقية صارمة. فالمسؤول العام لا يكفي أن يقول إنه لم يتدخل، لأن وجود المصلحة بحد ذاته قد يكون كافياً لإضعاف الثقة العامة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالعطاءات والقرارات الحكومية والمال العام. (3) معيار الاستقلالية، أي قدرة الوزير على اتخاذ القرار دون خضوع لمصالح عائلية أو مالية أو حزبية ضيقة. (4) معيار القابلية للمساءلة، لأن الوزير الذي لا يقبل المساءلة لا يصلح لحمل سلطة عامة.
وفي سياق ما حدث، يطرح السؤال التالي نفسه: هل الحكومات الحزبية هي الطريق الأفضل لاختيار الوزراء؟ من حيث المبدأ، يمكن للحكومات الحزبية أن تشكل نقلة إيجابية إذا كانت الأحزاب مؤسسية، ولديها برامج واضحة، وكفاءات حقيقية، وآليات داخلية لاختيار ممثليها في السلطة التنفيذية. فالحكومة الحزبية قد تجعل الوزير أكثر ارتباطاً ببرنامج معلن، وأكثر خضوعاً للمساءلة السياسية، وأقل اعتماداً على العلاقات الفردية والاختيارات المغلقة. لكن، أيضا، الحكومة الحزبية بحد ذاتها ليست حلاً سحرياً. فإذا انتقلت الأحزاب إلى السلطة وهي ضعيفة تنظيمياً، أو محكومة بالمصالح الشخصية، أو عاجزة عن إنتاج قيادات كفؤة ونزيهة، فإننا سنستبدل بالمحاصصة التقليدية محاصصة حزبية، وهذا قد يكون أخطر من المشكلة الأصلية. إن الحزبية لا تبرر تعيين غير الأكفاء، ولا تمنح حصانة لمن تحوم حولهم شبهات تضارب المصالح، ولا تعفي الحكومة من واجب التدقيق والاختيار الرشيد. وبالتالي، فإن المطلوب ليس مجرد حكومة حزبية، بل حكومة برامج وكفاءات ونزاهة. حكومة يكون فيها الحزب طريقاً للمساءلة لا غطاءً للتعيين، ويكون فيها الوزير ممثلاً لسياسة عامة لا لمجموعة ضغط أو دائرة مصالح. فإذا لم تقترن التجربة الحزبية بمعايير صارمة لاختيار الوزراء، فإنها قد تتحول إلى عبء جديد على الثقة العامة بدلاً من أن تكون مدخلاً للإصلاح السياسي. ونتيجة ذلك سيصبح المواطن قادراً، في الانتخابات التالية، على مكافأة الحزب أو محاسبته بناءً على الأداء، لا بناءً على الانطباعات العامة فقط. وهذا الأمر يتطلب من الأحزاب السياسية العاملة أن تقوم بعملية مراجعة لمسيرتها وعملها منذ ان بدأت العمل وحتى اليوم، وأن تحدد الانحرافات إذا وُجدت، وتقوم بتصحيحها، وأن تتعلم من الدروس والتجارب السابقة.
إن الحكومات الحزبية قد تكون الطريق الأفضل نحو مسؤولية سياسية أوضح، لكنها لن تكون كافية من دون نزاهة. والكفاءات التكنوقراطية قد تكون ضرورية، لكنها لن تكون كافية من دون مساءلة. أما الاختيار الصحيح للوزراء فهو ذلك الذي يجمع بين البرنامج والكفاءة، وبين الشرعية السياسية والنظافة الأخلاقية، وبين القدرة على الإنجاز والقدرة على الخضوع للمحاسبة. عندها فقط تصبح الحكومة مؤسسة ثقة لا مجرد فريق أسماء، ويصبح الوزير خادماً للصالح العام لا طرفاً في شبكة مصالح.
إن ما حدث يجب أن يتحول إلى درس مؤسسي لا إلى خبر عابر. فالأردن، وهو يمضي في مسار التحديث السياسي والإداري، يحتاج إلى حكومات أقوى، ووزراء أكثر كفاءة، وأحزاب أكثر جدية، ورقابة أكثر فاعلية. ومع ذلك، فإنه يحتاج قبل ذلك كله إلى قاعدة صلبة تقول إن الثقة العامة هي رأس مال الدولة، وإن أي موقع عام يجب أن يدار بمنطق الخدمة لا بمنطق القرابة والنفوذ. وما جرى يجب أن يتحول إلى فرصة إصلاح، لا إلى حادثة تنتهي باستقالة ثم تطوى الصفحة. والمطلوب أن تتحول النزاهة إلى شرط سابق للتعيين، لا سبب لاحق للإقالة. والمطلوب أيضا أن تصبح الحوكمة ممارسة يومية في اختيار الوزراء ومراقبة أدائهم، لا عنواناً تجميلياً في الخطاب الرسمي. فالمنصب العام أمانة، ومن لا يستطيع حماية هذه الأمانة من تضارب المصالح، أو من نفوذ الأقارب، أو من ضغط المصالح الخاصة، لا ينبغي أن يكون في موقع القرار أصلاً. واختيار الوزراء هو الاختبار الأول لجدية أي حكومة في الإصلاح؛ فإذا صلح الاختيار صلحت فرص النجاح، وإذا اختل الاختيار فلن تنفع بعد ذلك كل خطابات الإصلاح.
*أمين عام رئاسة الوزراء الأسبق

شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم