ماهر البطوش يكتب: الهوية الرقمية ليست مستباحة

منذ 2 ساعة
المشاهدات : 14211
ماهر البطوش يكتب: الهوية الرقمية ليست مستباحة
ماهر البطوش

ماهر البطوش

لم تعد هوية الإنسان تقتصر على اسمه أو بطاقته الشخصية أو توقيعه، بل امتدت إلى حساباته على منصات التواصل الاجتماعي، وبريده الإلكتروني، وموقعه الإلكتروني، وتطبيقاته، وكل ما يرتبط به في الفضاء الرقمي. وأصبحت هذه الوسائل تمثل شخصيته أمام المجتمع، وتُستخدم في التواصل والعمل والتجارة والتعليم، بل وفي ممارسة كثير من الحقوق والالتزامات اليومية. ومن هنا أدرك المشرع الأردني أن الاعتداء على الهوية الرقمية لا يقل خطورة عن الاعتداء على الهوية في الواقع، فخصص لها المادة (5) من قانون الجرائم الإلكترونية رقم (17) لسنة 2023.

يأتي هذا المقال ضمن سلسلة "قراءة تحليلية في قانون الجرائم الإلكترونية" التي تتناول مواد القانون مادة بعد أخرى، لبيان فلسفة المشرع وشرح النصوص القانونية بلغة تجمع بين الدقة القانونية والوعي المجتمعي، انطلاقاً من أن المعرفة بالقانون تمثل إحدى أهم وسائل الوقاية من الجريمة.

وفي بيان صور هذه الجريمة، تبين الفقرة (أ) من المادة (5) أن المشرع لم يجرم إنشاء الحسابات أو الصفحات أو المجموعات أو القنوات على منصات التواصل الاجتماعي، فهذه أعمال مشروعة في أصلها، وإنما يبدأ التجريم عندما تُنسب زوراً إلى شخص طبيعي أو معنوي، بما يؤدي إلى خداع الآخرين وإيهامهم بأنهم يتعاملون مع صاحبها الحقيقي. وقد قرر المشرع لهذه الصورة عقوبة الحبس مدة لا تقل عن ثلاثة أشهر، أو الغرامة من (1500) إلى (15000) دينار، أو بكلتا العقوبتين.

ولم يقتصر التنظيم التشريعي على هذه الصورة، بل تناولت الفقرة (ب) صورة أكثر خطورة، تتمثل في اصطناع أو إنشاء أو تصميم برنامج أو تطبيق أو موقع إلكتروني أو بريد إلكتروني أو ما يماثله، ثم نسبته زوراً إلى شخص طبيعي أو معنوي. ولم يأتِ هذا التفريق من فراغ، بل يعكس إدراك المشرع أن هذه الوسائل أكثر تعقيداً من مجرد إنشاء حساب على منصة تواصل اجتماعي، وقد تُستخدم في عمليات احتيال أو تضليل أو انتحال بآثار أوسع، ولذلك شدد العقوبة لتصبح الحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر، وبغرامة لا تقل عن (9000) دينار ولا تزيد على (15000) دينار.

ومن خلال المقارنة بين الفقرتين (أ) و(ب)، تتضح فلسفة تشريعية واضحة، مؤداها أن الجريمة لا تقوم بمجرد إنشاء حساب أو تصميم برنامج أو موقع إلكتروني، لأن هذه الأفعال في ذاتها مشروعة، وإنما تتحقق عندما تقترن بنسبة كاذبة إلى الغير. فالمشرع لم يجرم التقنية، وإنما جرم استغلالها للإضرار بالآخرين أو خداعهم أو استغلال الثقة التي يضعونها في الهوية الرقمية.

ولأن هذه الجريمة تقوم على إرادة واعية، فقد اشترط المشرع توافر القصد الجرمي، فلا يكفي وقوع تشابه في الأسماء أو خطأ غير مقصود، بل يجب أن يكون الجاني عالماً بأنه ينسب الحساب أو البرنامج أو الموقع أو البريد الإلكتروني زوراً إلى غيره، وأن تتجه إرادته إلى هذا الفعل وإلى النتيجة المترتبة عليه.

ولم يقف المشرع عند هذا الحد، بل بلغت الحماية القانونية ذروتها في الفقرة (ج) من المادة (5) إذ لم ينشئ جريمة جديدة، وإنما شدد العقوبة على الأفعال ذاتها المنصوص عليها في الفقرتين (أ) و(ب) إذا ارتكبت بحق جهة رسمية أو موظف عام أو بانتحال هوية الموظف العام بحكم وظيفته. ففي هذه الحالة تتحول الجريمة من جنحة إلى جناية، ويعاقب مرتكبها بالأشغال المؤقتة، وبغرامة لا تقل عن (15000) دينار ولا تزيد على (45000) دينار.

ويكشف هذا التشديد عن إدراك المشرع أن انتحال صفة جهة رسمية أو موظف عام لا يضر بشخص بعينه، وإنما يمس هيبة الدولة وثقة المواطنين بمؤسساتها، وقد يستغل في نشر بيانات مزيفة أو الاحتيال أو الحصول على معلومات أو تحقيق مصالح غير مشروعة باسم جهات رسمية، وهو ما يبرر العقوبة المشددة.

ومن هنا تتضح الغاية التي سعى إليها النص، فالمادة (5) لا تحمي أسماء الأشخاص أو شعارات المؤسسات فحسب، وإنما تحمي الثقة التي يقوم عليها التعامل في العالم الرقمي. فكل حساب مزور أو موقع منتحل أو بريد إلكتروني كاذب قد يكون مدخلاً للاحتيال أو الابتزاز أو التشهير أو نشر المعلومات المضللة، ولذلك جاء النص ليغلق هذا الباب قبل أن تتحول الهوية الرقمية إلى وسيلة للإضرار بالأفراد والمؤسسات.

وفي ختام هذه المادة، يتأكد أن الهوية الرقمية أصبحت امتداداً لشخصية الإنسان وسمعته، ولشخصية المؤسسات ومصداقيتها، وأن الاعتداء عليها لم يعد مجرد سلوك غير أخلاقي، بل جريمة يعاقب عليها القانون. فكما يحمي القانون هوية الإنسان في الواقع، فإنه يحميها أيضاً في الفضاء الرقمي، لأن الثقة الإلكترونية أصبحت اليوم إحدى أهم ركائز الحياة الحديثة.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم