اسأل نفسي سؤالا لا أجد له إجابة إلا في نهج المؤسسات العسكرية وطريقة عملها ،ولا أجده في مؤسسات الدولة الأخرى ولا أعرف سبب غيابه عنها .
أليست المؤسسات العظيمة هي لا تكتفي بحراسة ما أنجزته بالأمس، وإنما هي التي تجعل من كل يومٍ فرصةً لتجاوز الأمس، ومن كل تحدٍّ بابًا إلى إنجاز جديد. فالإدارة التي تركن إلى ما لديها سرعان ما تأفل، أما الإدارة التي تراجع ذاتها، وتقرأ واقعها، وتستشرف مستقبلها، فإنها تظل نابضة بالحياة، قادرةً على صناعة الفرق في حياة الناس.
وهذا ما يبدو جليًا في النهج الذي تنتهجه مديرية الأمن العام، حيث لم يعد التطوير شعارًا يرفع، بل ممارسةً يوميةً تتجسد في مبادرات عملية، تنطلق من احتياجات المواطن، وتنتهي إلى تحسين جودة الخدمة وتعزيز الثقة بالمؤسسة.
ولعل من أبرز صور هذا النهج ما شهدته منظومة الدفاع المدني من استحداث دراجات الطوارئ، تلك الفكرة التي لم تكن مجرد إضافة إلى أسطول المركبات، بل كانت استجابةً ذكية لواقع المدن المزدحمة، حيث قد تعيق الطرق وصول سيارات الإسعاف في الوقت المناسب. فجاءت هذه المبادرة لتختصر الزمن، وتمنح المصاب فرصةً أثمن من كل شيء؛ فرصة النجاة. وعندما ينخفض زمن الاستجابة إلى أقل من المعدلات العالمية، فإننا لا نكون أمام صدفة، وإنما أمام إدارة تؤمن بأن الدقيقة الواحدة قد تصنع الفارق بين الحياة والموت.
ثم جاءت مبادرة تطوير خدمات مراكز الإصلاح والتأهيل لتؤكد أن الإصلاح الحقيقي لا يقتصر على الجدران والأبواب، وإنما يمتد إلى الإنسان نفسه، وإلى أسرته التي تشاركه عبء التجربة. فالزيارة المرئية عن بُعد ليست مجرد وسيلة تقنية، بل رسالة إنسانية تقول للأسر إن معاناتكم محل اهتمام، وإن المسافات لم تعد حاجزًا يحول بين القلوب وطمأنينتها. وكذلك خدمة الحوالات المالية للنزلاء، التي جاءت لتبسط الإجراءات، وتحفظ الوقت والكرامة، وتخفف الأعباء عن ذويهم.
إن المؤسسات التي تفكر بهذه الصورة لا تنظر إلى الخدمة بوصفها إجراءً إداريًا جامدًا، وإنما تراها مسؤوليةً أخلاقيةً ووطنيةً، تجعل الإنسان محور الاهتمام، وتجعل كرامته جزءًا من معايير النجاح.
ولم يتوقف هذا النهج عند حدود الخدمات المستحدثة، بل امتد إلى تطوير البرامج الإصلاحية ذاتها، وفي مقدمتها برامج علاج الإدمان داخل مراكز الإصلاح والتأهيل. فالتعامل مع الإدمان باعتباره قضيةً تحتاج إلى علاج وإعادة تأهيل، لا إلى العقوبة وحدها، يعكس فهمًا عميقًا لفلسفة الإصلاح الحديثة، ويؤكد أن بناء الإنسان هو الغاية الأسمى لأي منظومة إصلاحية.
كما أن العمل المتواصل على معالجة الاكتظاظ، واستكمال مشاريع التوسعة، والتنسيق مع الجهات المختصة، يكشف عن رؤية لا تكتفي بعلاج المشكلات الآنية، بل تسعى إلى بناء منظومة قادرة على استيعاب متطلبات المستقبل، بما يحقق التوازن بين متطلبات الأمن وحقوق الإنسان.
إن الإنجازات لا تُقاس بعدد القرارات الصادرة، وإنما بما تتركه من أثر في حياة الناس. وحين يشعر المواطن بأن المؤسسة تستمع إليه، وتبحث عن مشكلاته قبل أن يشكو منها، وتطور خدماتها لتكون أقرب إليه وأكثر يسراً، فإن الثقة تصبح نتيجةً طبيعيةً لهذا النهج.
لقد أثبتت مديرية الأمن العام، من خلال هذه المبادرات وغيرها، أن التطوير ليس محطةً عابرة، بل مسيرةٌ متواصلة، وأن الإدارة الناجحة هي التي تجعل من كل إنجاز بدايةً لإنجاز آخر، ومن كل تجربة ناجحة حافزًا لتجربة أكثر نضجًا واتساعًا.
وهكذا تُبنى المؤسسات الراسخة؛ لا بضجيج الشعارات، وإنما بهدوء العمل، ولا بكثرة الوعود، وإنما بصدق الإنجاز، حتى يصبح التطوير ثقافةً، والإنسان غايةً، والوطن هو المستفيد الأول من كل خطوةٍ إلى الأمام.
المجالي يكتب: حين يصبح التطوير نهجًا لا قرارًا .. شكرًا مدير الأمن العام
منذ 1 ساعة
المشاهدات :
8886
العميد المتقاعد هاشم المجالي
وسوم:
شارك المقال:
الأكثر قراءة
01
02
03
04
05
آخر الأخبار
أخبار فنية
فن
الأيام اللي جاية .. تفاصيل أغنية مصطفى كامل الجديدة |فيديو
منذ 31 دقيقة
فن
تركي آل الشيخ يدافع عن أم كلثوم ضد مهاجميها: أهم صوت نسائي عربي في التاريخ
منذ 41 دقيقة
فن
في ذكرى رحيله .. لماذا باع الموسيقار محمد الموجي أثاث شقته؟
منذ 4 ساعات
فن
"عصافير الحرب" .. قصة عشق بين لبنانية وسوري على وقع الانفجارات
منذ 6 ساعات
فن
صفية العمري: اعتزال الفن بالنسبة لي موت
منذ 6 ساعات
أخبار رياضية
رياضة
فيديو .. كين يسمع نصيحة مارادونا بعد 6 أعوام من وفاته
منذ 25 دقيقة
رياضة
فيديو مؤثر .. مدرب الكونغو يصعق بوفاة والده في المؤتمر الصحافي
منذ 53 دقيقة
رياضة
أميركا إلى دور الـ16 بعد الفوز على البوسنة بثنائية في كأس العالم 2026
منذ 1 ساعة
رياضة
الحكم المخادمة يحصد تقييما مرتفعا وإشادة عالمية بأدائه في كأس العالم
منذ 1 ساعة
رياضة
توجه لإعلان استمرار سلامي مع النشامى
منذ 3 ساعات
منوعات من العالم
منوعات من العالم
أستاذ جامعة براون يكشف "فضيحة الغش" الأكثر ذكاءً في تاريخها
منذ 52 دقيقة
منوعات من العالم
ليست خرسانة ولا إسفلت .. ما سر قوة أسطح حاملات الطائرات؟
منذ 53 دقيقة
منوعات من العالم
شركات البيض الأمريكية تدفع 3.3 ملايين دولار وتتبرع بـ 53 مليون بيضة بسبب الاحتكار
منذ 54 دقيقة
منوعات من العالم
جهود مكثفة في فنزويلا لإنقاذ حارس أمن عالق منذ أسبوع تحت الأنقاض
منذ 3 ساعات
منوعات من العالم
حرائق غابات ضخمة تجتاح جنوب فرنسا وتجبر العشرات على إخلاء منازلهم
منذ 3 ساعات
الرجاء الانتظار ...
التعليقات