د. دانييلا القرعان تكتب: سعر عالمي للبنزين .. حلم العدالة أم استحالة السياسة؟

منذ 2 ساعة
المشاهدات : 11733
د. دانييلا القرعان تكتب: سعر عالمي للبنزين ..  حلم العدالة أم استحالة السياسة؟
د. دانييلا القرعان

د. دانييلا القرعان

كلما ارتفعت أسعار المحروقات في دولة ما، عاد السؤال نفسه إلى الواجهة: لماذا يختلف سعر لتر البنزين من بلد إلى آخر بهذا الشكل الكبير؟ هل يمكن يأتي يوم يصبح فيه للبنزين سعر عالمي موحد، تحدده جهة دولية ويلتزم به الجميع؟

للوهلة الأولى تبدو الفكرة منطقية، فالنفط سلعة عالمية تُباع وتُشترى في الأسواق الدولية، وأسعاره تتأثر بعوامل متشابهة في مختلف أنحاء العالم، لكن الحقيقة ما يدفعه المواطن في محطة الوقود لا يعكس فقط سعر النفط، بل يعكس أيضًا فلسفة الدولة الاقتصادية، وسياساتها الضريبية، وقدرتها المالية، حتى أولوياتها الاجتماعية.

ففي بعض الدول، ترى الحكومات أن الوقود سلعة يجب دعمها لتخفيف الأعباء عن المواطنين وتحفيز الاقتصاد، بينما تعتبره دول أخرى مصدراً رئيسياً للإيرادات، فتفرض عليه ضرائب ورسوماً مرتفعة، وبين هذا وذاك، تتباين تكاليف التكرير والنقل والتوزيع، كما تختلف مستويات الدخل وقوة العملات، ليصبح توحيد السعر أقرب إلى الأمنيات منه إلى الواقع.

لو افترضنا أن جهة أممية قررت وضع سعر عالمي موحد للبنزين، فمن سيُلزم الدول به؟ هل ستقبل الحكومات بالتخلي عن واحدة من أهم أدواتها الاقتصادية والمالية؟ الواقع يقول إن الإجابة لا، فأسعار الوقود ليست مجرد أرقام، بل جزء من سيادة الدولة وحقها في إدارة اقتصادها وفق مصالحها الوطنية.

رغم ذلك، فإن فكرة وجود سعر مرجعي عالمي ليست مستحيلة. فقد يكون من الممكن الاتفاق على سعر أساسي يعكس الكلفة الحقيقية للوقود في الأسواق العالمية، ثم يُترك لكل دولة هامش إضافة الضرائب أو تقديم الدعم بحسب ظروفها، عندها سيعرف المواطن أين تنتهي تكلفة الوقود الحقيقية، وأين تبدأ القرارات الحكومية.

وربما لا يكون توحيد سعر البنزين هو الهدف الأهم، بل تحقيق قدر أكبر من الشفافية فالمواطن في أي دولة من حقه يعرف كم يدفع مقابل الوقود نفسه، وكم يدفع ضرائب ورسوماً، ولماذا. فالوضوح في التسعير لا يقل أهمية عن السعر ذاته.

في النهاية، قد يبقى السعر العالمي الموحد للبنزين فكرة بعيدة المنال في عالم تحكمه المصالح والسيادات الوطنية، لكنه يظل سؤالًا مشروعاً يفتح باب النقاش حول العدالة الضريبية، وشفافية التسعير، وحدود تدخل الحكومات في واحدة من أكثر السلع تأثيراً في حياة الناس واقتصادات الدول.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم