وصفي عبيدات يكتب: ديمقراطية الأحزاب الأردنية .. هل ضاعت البوصلة؟

منذ 2 ساعة
المشاهدات : 11993
وصفي عبيدات يكتب: ديمقراطية الأحزاب الأردنية ..  هل ضاعت البوصلة؟
المهندس وصفي عبيدات

المهندس وصفي عبيدات

عندما أطلق جلالة الملك مشروع التحديث السياسي لم يكن الهدف مجرد تعديل قانون أو إنشاء أحزاب جديدة أو زيادة عدد القوائم الحزبية في مجلس النواب ، بل كانت الرؤية أعمق من ذلك بكثير ، الرؤية كانت تهدف لبناء حياة سياسية حديثة تقوم على أحزاب قوية تتنافس ببرامجها وتفرز قياداتها بإرادة أعضائها لتصل في نهاية المطاف إلى تشكيل حكومات برلمانية تعبر عن الإرادة الشعبية

ومن أجل هذه الغاية جاءت مخرجات لجنة تحديث المنظومة السياسية وتبعتها تعديلات تشريعية واسعة استثمرت فيها الدولة جهداً كبيراً أملاً في أن يشهد الأردن نقلة نوعية في مسار العمل الحزبي والديمقراطي

لكن وبعد مرور سنوات على انطلاق هذه التجربة يبرز سؤال مشروع لا بد من طرحه :
لماذا لم تتقدم الحياة الحزبية كما كان مأمولا ؟ ولماذا ما زال الشارع الأردني ينظر إلى الأحزاب بكثير من التردد والعزوف ؟

إن المشكلة في تقديري ليست في النصوص القانونية وإنما
في الممارسة السياسية على ارض الواقع ،
فالديمقراطية ليست قانونا جامدا يحفظ على الرفوف وإنما هي ثقافة تُمارس ولا يكفي أن نطالب المواطنين بالانضمام إلى الأحزاب إذا كانوا لا يشعرون بأن الحزب يمتلك قراره المستقل وأن أعضاءه هم أصحاب الكلمة الفصل في اختيار قياداته ومرشحيه !!!

إن أخطر ما يمكن أن يصيب أي تجربة حزبية هو أن يترسخ في الوعي العام شعور بأن الكفاءة والثقافة السياسية والعمل التنظيمي ليست وحدها الطريق إلى مواقع القيادة وأن هناك اعتبارات أخرى قد تؤثر في مسار الاختيار وسواء كانت هذه القناعة دقيقة في كل الحالات أم لا فإن مجرد انتشارها يضعف ثقة الناس بالأحزاب ويجعل الانتماء إليها أقل جاذبية ،
فالقيادة التي تأتي بإرادة القواعد الحزبية تمتلك الشرعية والثقة أما القيادة التي يشك الناس في استقلالية وصولها فإنها تبدأ مسيرتها وهي مثقلة بعبء التشكيك ويصبح الحزب عاجزاً عن إقناع المجتمع بأنه يمثل نموذجاً ديمقراطياً حقيقياً ،
ولعل هذا يفسر جانباً من حالة العزوف المتزايدة عن العمل الحزبي ، فالشباب الأردني وهو الأكثر إيماناً بالتغيير يبحث عن بيئة سياسية يشعر فيها أن اجتهاده وثقافته ونشاطه هي التي تصنع مستقبله السياسي ، وعندما يفقد هذه القناعة فإنه ينسحب بهدوء تاركاً الأحزاب تواجه فراغاً تنظيمياً وفكرياً ،
ومن هنا فإن الحديث عن ضعف الأحزاب لا ينبغي أن يقتصر على نقد الأحزاب نفسها بل يجب أن يمتد إلى مراجعة البيئة السياسية بأكملها لأن نجاح المشروع الإصلاحي مسؤولية وطنية مشتركة لا تتحملها جهة واحدة

إن حماية مشروع التحديث السياسي تستوجب ترسيخ استقلالية القرار الحزبي وترك الأحزاب تمارس حقها الكامل في اختيار قياداتها ومرشحيها وبرامجها وفقاً لأنظمتها الداخلية والدستور والقانون بعيداً عن أي مؤثرات قد تضعف ثقة المجتمع بالتجربة ، فكلما اتسعت مساحة الاستقلال ازدادت قوة الأحزاب وكلما ازدادت قوة الأحزاب ازداد حضور مجلس النواب وهيبته واقتربنا أكثر من الهدف الذي رسمته الرؤية الملكية والمتمثل في الوصول إلى حكومات برلمانية حقيقية

إن الأردن بقيادته الهاشمية الحكيمة يمتلك مشروعاً إصلاحياً متقدماً ويحظى باحترام دولي لما حققه من استقرار ومؤسسية ، ومن واجب الجميع أن يصونوا هذا المشروع وأن يوفروا له كل أسباب النجاح لأن نجاحه يعد انتصارا للدولة الأردنية كلها

ويبقى السؤال الذي يستحق وقفة صادقة:
هل نريد أحزاباً تصنع القرار أم أحزاباً تكتفي بالحضور الشكلي؟
فالديمقراطية لا يعكسها عدد الأحزاب ولا عدد مقاعدها تحت القبة وإنما يعكسها مدى استقلال قرارها وحرية أعضائها في اختيار قياداتهم وثقة المواطن بأن صوته هو الذي يصنع المستقبل

أما إذا بقيت الأحزاب مجرد هياكل تنظيمية ترفع شعارات الديمقراطية دون أن تمارسها ممارسةً كاملة فإنها ستتحول مع مرور الوقت إلى ديكور سياسي جميل في شكله محدود في أثره وستبقى الرؤية الملكية أكبر من الواقع الذي نعيشه

إن حماية الديمقراطية الأردنية ليست ترفا سياسيا انما هي ضرورة وطنية وهي الضمانة الحقيقية لاستمرار دولة المؤسسات والقانون وتعزيز صورة الأردن أمام العالم بوصفه دولة تؤمن بالإصلاح وتحترم الإرادة الشعبية وتمضي بثقة نحو مستقبل ديمقراطي يليق بتاريخها وقيادتها وشعبها
فهل نكون ؟!!!
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم