شركات صناعة الأسلحة في أوروبا تواجه حشداً من المشكلات

منذ 2 ساعة
المشاهدات : 16166
شركات صناعة الأسلحة في أوروبا تواجه حشداً من المشكلات

سرايا - بعد غزو روسيا لأوكرانيا في عام 2022، ورضوخ الدول الأعضاء في حلف شمال الأطلسي (الناتو) لضغوط دونالد ترمب لتمويل جيوشها بشكل مناسب، اعتقد المستثمرون أن شركات الصناعات الدفاعية الأوروبية لا يمكن أن تخسر.

لكنهم اكتشفوا منذ ذلك الحين أن التقدم في عملية إعادة التسلح لن يكون سهلاً. فقد انخفضت أسهم شركات الدفاع وسط مخاوف من أن الحكومات المثقلة بالأعباء المالية قد لا تفي بتعهداتها بزيادة الإنفاق إذا تحقق السلام في أوكرانيا. ومع التحول الذي أحدثته الطائرات المسيرة في ميدان المعركة هناك وفي الخليج العربي، فهناك جدال بشأن نوعية المعدات التي ينبغي شراؤها، وما إذا كانت الدبابات وقطع المدفعية مرتفعة التكلفة لا تزال تؤدي دوراً مهما في ساحة القتال.

لذا، فإن التوقيت غير مواتٍ لشروع "كيه إن دي إس" (KNDS)، الشركة الألمانية الفرنسية لصنع الدبابات، في إجراءات طرح عام أولي. ومما يزيد الوضع تعقيدًا أن كلاً من حكومتي وفرنسا وألمانيا ستملك حصة 40% من أسهم الشركة بعد طرحها المزدوج في بورصتي باريس وفرانكفورت المتوقع إجراؤه خلال الأسابيع المقبلة.

وفي ظل القلق في فرنسا من تنامي القدرات العسكرية الألمانية، والتفوق المالي لبرلين، فإن هيكل الملكية هذا قد يدفع المستثمرين المحتملين إلى التريث. لكن ما دامت باريس وبرلين ستتركان إدارة الشركة تواصل عملها دون تدخل، فلدى "كيه إن دي إس" فرصة حقيقية للنجاح.

الضغوط تتكالب على قطاع الدفاع في أوروبا
الانتكاسات التي واجهها قطاع صناعة الأسلحة في أوروبا في الآونة الأخيرة لم تأتِ فرادى؛ فانهار المشروع الفرنسي الألماني المشترك لتطوير مقاتلة الجيل الجديد، "نظام القتال الجوي المستقبلي" (Future Combat Air System)، بسبب خلافات صناعية. وشهد الطرح العام الأولي الضخم لمُصنعة الذخائر التشيكية "سي إس جي" (CSG) بداية متعثرة بعدما انتقد بائع على المكشوف الإفصاحات المالية، ما رفضته الشركة. وخسرت "راين ميتال" (Rheinmetall)، أكبر شركة دفاع في ألمانيا، هذا الأسبوع عقداً بمليارات اليوروهات مع القوات البحرية بعد اعتراض السياسيين على ارتفاع تكاليف الفرقاطات.
إن إحكام حكومة فريدريش ميرتس الرقابة على الإنفاق أمر جيد، رغم تخليها عن نهج الانضباط المالي لبناء أكبر جيش تقليدي في أوروبا. وتعتزم شراء السفن من "تي كيه إم إس" (TKMS) بدلاً من "راين ميتال". لكن هذا التحول المفاجئ أثار شكوكاً بشأن إمكانية توقع قرارات المشتريات في ألمانيا. وسهم "راين ميتال"، الذي كان الأكثر رواجاً في أوروبا فيما مضي، انخفض بنحو الخُمس يوم الأربعاء، لتصل خسائره منذ الذروة التي سجلها العام الماضي إلى أكثر من 50%. كما انخفضت سلة أسهم شركات الدفاع الأوروبية لدى "غولدمان ساكس" بأكثر من 25% منذ بلغت ذروتها في يناير.

للوهلة الأولى، لا تبشر خسارة "راين ميتال" لمكانتها المتميزة بالخير بالنسبة إلى "كيه إن دي إس"، فكلتا الشركتين متخصصتان في أنظمة القتال البري. ورغم منافسة دبابة "راين ميتال" من طراز "بانثر كيه إف 51" لدبابة "ليوبارد 2" من "كيه إن دي إس"، تتعاون الشركتان في عدة مشروعات؛ فتُورّد "راين ميتال" المدافع لدبابات "ليوبارد"، وتعملان معاً على صنع مركبات قتالية للمشاة، كما تطوران بشكل مشترك دبابة من الجيل الجديد، وإن كان رئيس "راين ميتال" قد أعرب عنه شكه في ذلك بسبب التخفيضات في الموازنة الفرنسية.

تباينات بين "راين ميتال" و"KNDS"
لكن ثمة اختلافات بين الشركتين؛ "راين ميتال" تسعى إلى التحول إلى متعهد دفاعي رئيسي متعدد المجالات، عبر توسيع محفظة أعمالها لتشمل الفضاء وأعالي البحار. وأسهمها مملوكة بالكامل لمستثمرين من القطاع الخاص، وهو أمر غير معتاد بالنسبة إلى شركة أوروبية لصناعة الأسلحة. وقد ساعدها غياب الملكية الحكومية على إبرام صفقات وشراكات عابرة للحدود لتعزيز حجم أعمالها. لكن طالما راودتني شكوك بشأن طموحات الشركة في القطاع البحري، وما إذا كانت توسع نطاق أعمالها إلى حد يفوق قدراتها. كما أنها واجهت صعوبة في تحويل الكم الهائل من الطلبيات إلى إيرادات.

في المقابل، تعتزم "كيه إن دي إس" مواصلة التركيز على القتال البري، مستفيدة من خبرتها في الدبابات والمركبات المدرعة وأنظمة المدفعية. كما تبدو أوضاعها المالية قوية؛ فطلبيات متراكمة بقيمة 33 مليار يورو (37.5 مليار دولار) قد تكفي لتشغيل مصانعها لسنوات، ويُتوقع أن ترتفع المبيعات 30% إلى نحو 5.7 مليار يورو هذا العام. وتحقق "كي إن دي إس" أرباحاً لافتة بصفتها شركة للصناعات المعدنية، إذ بلغ متوسط هامش الربح التشغيلي نحو 14% خلال السنوات الثلاث الماضية.

ستحتاج الجيوش الأوروبية إلى المركبات ذاتية التشغيل والأسلحة التقليدية على حد سواء. لكن السمة الأهم هي قدرة هذه الأنظمة على التواصل رقمياً ببعضها. وقد ضخت "كيه إن دي إس" استثمارات ضخمة في البحث والتطوير، بما يشمل تقنيات التصدي للطائرات المسيرة. ومع ذلك، لا أعتقد أن الجدال حول المفاضلة بين الطائرات المسيرة والدبابات قد حُسم بعد. ولذلك، يُرجح أن تضطر الشركة إلى القبول بتقييم أقل بكثير عما كان مطروحاً في البداية.

اقرأ أيضاً: شركتا مسيّرات أوروبيتان تسعيان لاختيار بنوك لطرحين مرتقبين في 2027

تأسست الشركة قبل نحو عقد من الزمن عبر اندماج "كراوس-مافي فيغمان" (Krauss-Maffei Wegmann) مع "نكستر سيستمز" (Nexter Systems) الفرنسية المملوكة للدولة. ومن منظور ألمانيا، فإن تقييم الشركة حالياً بنحو 15 مليار يورو بدلاً من 25 مليار يورو الذي جرى طرحه في البداية ليس بالأمر السيئ؛ فمن الناحية النظرية، لن يتعين على بنك التنمية الألماني (KfW) المملوك للدولة دفع المبلغ نفسه مقابل حصة 40% التي يعتزم الاستحواذ عليها من عدد من العائلات المساهمة. ومع خفض فرنسا حصتها من 50% إلى 40%، ستتبقى حصة أسهم حرة نسبتها 20% لتطرح على المؤسسات الاستثمارية.

من الضروري أن يعزز قطاع الصناعات الدفاعية الأوروبي المتجزئ التعاون، ويتوسع لضمان الوصول إلى أكبر قدرة تسليحية مقابل إنفاق دافعي الضرائب على الدفاع. ولا يتطلب ذلك بالضرورة عمليات اندماج كاملة، لكن "كيه إن دي إس" تظل ذات أهمية رمزية بوصفها نموذجًا ناجحًا عابراً للحدود. والتعثر ترف لا تملكه.

إدارة "KNDS" تتصدى للتدخلات السياسية
هناك آليات لتجنب وصول مجلس الإدارة إلى طريق مسدود. ومع ذلك، لا بد من الحصول على موافقة فرنسا وألمانيا على القرارات المهمة بشأن كبار الموظفين والاستراتيجية. كما يمكنهما التدخل في الأمور المرتبطة مباشرة بمصالحهما الأمنية الداخلية. ومع نمو أعمال "كيه إن دي إس" في ألمانيا بوتيرة أسرع بكثير مقارنةً بفرنسا، باتت احتمالات التوتر واضحة.

اقرأ أيضاً: الحدود المالية ترسم خطوط زيادة ماكرون للإنفاق الدفاعي

لحسن الحظ، لدى رئيس مجلس إدارة "كيه إن دي إس"، توم إندرز، خبرة كبيرة في التصدي للتدخلات السياسية، وقد أوضح رغبته في أن تخفض الحكومتان حصتيهما في الشركة. وخلال توليه إدارة "إيرباص"، تحولت عملاقة الطيران التجاري الأوروبية إلى شركة تُدار بشكل أقرب إلى الشركات العادية، رغم وجود ألمانيا وفرنسا وإسبانيا بين المساهمين. مع ذلك، فإن محاولته لدمج "إي إيه دي إس"، اسم "إيرباص" حينها، مع نظيرتها البريطانية "بي إيه إي سيستمز" (BAE Systems) في 2012 باءت بالفشل بسبب تحفظات الحكومة الألمانية.

يتحدث إندرز بصراحة أيضاً عن التحديات التي تواجه إعادة تسليح أوروبا بوتيرة سريعة. فقبل انضمامه إلى "كيه إن دي إس"، دعا الحكومات إلى الاستثمار في التقنيات الجديدة أيضاً، بدلاً من الاكتفاء بـ"شراء مزيد من الدبابات والطائرات والقذائف". وأوضح أن طائرة مسيرة لا تتجاوز كلفتها بضعة آلاف من اليوروهات يمكنها تدمير دبابة بملايين اليوروهات.

يشغل إندرز أيضاً منصب عضو مجلس إدارة في شركة "هلسينغ" (Helsing) الناشئة للطائرات المسيرة، لذا يدرك تماماً قدرات المركبات الجوية غير المأهولة. وأفادت تقارير بأن الشركة الألمانية التي تأسست منذ خمس سنوات تسعى لجمع تمويل عند تقييم 18 مليار دولار. ويعكس ذلك كيفية استعداد المستثمرين لنقلة نوعية جديدة في قطاع الدفاع. لكن يتعين على "كيه إن دي إس" إقناعهم بأن الدبابات لا يزال لها مكان في أرض المعركة.

إقرأ ايضاَ
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم