فيصل تايه يكتب: "هندرة" البريد الأردني .. هندسة للإرادة الوطنية

منذ 2 ساعة
المشاهدات : 12055
فيصل تايه يكتب: "هندرة" البريد الأردني  ..  هندسة للإرادة الوطنية
فيصل تايه

فيصل تايه

​بعض المؤسسات لا تحتاج إلى بداية جديدة، بقدر ما تحتاج إلى رؤية استراتيجية تُعيد تعريف دورها الوظيفي بما يتناسب مع متطلبات الدولة الحديثة ومتغيرات العصر. فالمؤسسة التي تمتلك مرونة التحول والرشاقة المؤسسية لا تبقى رهينة لتحديات الماضي، بل تحيل تلك العقبات إلى رافعات حقيقية ونقاط انطلاق نحو مستقبل أكثر كفاءة، واستدامة، وتأثيراً في الاقتصاد الوطني.

​ومن هذا المنطلق الراسخ، فإن تجربة البريد الأردني خلال السنوات الأخيرة لا يمكن قراءتها في سياقها الضيق باعتبارها مجرد تطوير لخدمات بريدية نمطية، بل هي نموذج تطبيقي حيّ، يُحتذى به في سياق "خارطة طريق تحديث القطاع العام" و"رؤية التحديث الاقتصادي". إنها قصة تحول مؤسسي شامل نقل مؤسسة وطنية عريقة جذرياً من نموذج الخدمة التقليدي الخاسر والمستنزف، إلى مظلة حديثة ومحرك لوجستي، يشبك بكفاءة عالية بين الخدمات البريدية، والمالية، واللوجستية، والحلول الرقمية المتكاملة.

​إن التحولات الكبرى في الفكر الإداري الحديث لا تبدأ من الهياكل، بل من "هندسة العقول" وتغيير فلسفة العمل؛ إذ لم يكن المستهدف في البريد الأردني مجرد تحسين مؤقت للأداء اليومي، وإنما إعادة بناء "نموذج عمل" يقوم على الاستدامة الماليّة، والابتكار، والاستثمار الذاتي في التكنولوجيا وفي رأس المال البشري.

​لقد استطاع البريد الأردني، عبر مسار إصلاحي واضح ومعلن، أن يطوي صفحة التحديات المزمنة التي هددت ديمومته، ليترجم برامج التحديث إلى لغة أرقام صلبة؛ فقد نجحت المؤسسة في خفض مديونيتها من نحو ٣٠ مليون دينار إلى ١٥ مليون دينار خلال السنوات الثلاث الأخيرة، والوصول إلى نقطة التعادل بالاعتماد الذاتي الكامل ودون أي استنزاف للخزينة العامة، مع مؤشرات مالية إيجابية أشارت إلى إمكانية تحقيق أرباح صافية تقارب ٣,٥ مليون دينار لعام ٢٠٢٥. ولعل التتويج الأبرز لهذا الحصاد المالي الاستثنائي هو ظهور البريد الأردني لأول مرة كشركة حكومية رابحة في تقرير ديوان المحاسبة، مصنفاً ضمن طليعة الشركات الوطنية في تحسين الأداء المالي.

​بيد أن القيمة الاستراتيجية لهذه القفزة لا تكمن في قيمتها المحاسبية فحسب، بل في دلالتها الإدارية؛ فالانتقال من مربع الخسارة والعبء المالي على الدولة إلى مربع الربحية والاعتماد الكامل على الذات، هو شهادة نجاح حية على رفع كفاءة الإنفاق التشغيلي، وتحويل المؤسسة من عقلية "إدارة الأزمات" إلى عقلية "صناعة الفرص الاستثمارية والشراكات المثمرة مع القطاع الخاص لتوظيف الأصول العقارية".

​لقد وعى البريد الأردني مبكراً أن الثورة الرقمية شرط بقاء؛ وبناءً عليه، غدا الذراع التنفيذي الموثوق لشريحة واسعة من الخدمات الحكومية الإلكترونية المتكاملة (كجواز السفر الإلكتروني وتوصيل الأدوية المزمنة ووثائق الأحوال المدنية)، بالتوازي مع إطلاق "صندوق البريد الرقمي" والخزائن الذكية . وبموازاة ذلك، تمدد الدور ليكون ركيزة أساسية في الاستراتيجية الوطنية للشمول المالي؛ حيث يستعد البريد لإطلاق محفظته الرقمية الخاصة (Bareed Pay)، لتشكل قفزة نوعية في الخدمات المالية الرقمية.

هذا التحول تكلل باستثمار استراتيجي في رأس المال البشري عبر "الأكاديمية الدولية للتجارة الإلكترونية" التي أهلت ودربت أكثر من ٢٠٠٠ شاب وشابة، تزامناً مع تبني حلول الاستدامة البيئية والتحول نحو الطاقة البديلة والمركبات الكهربائية بموجب منح دولية متخصصة.

​إن أي قصة نجاح بهذا الحجم لا بد وأن ترتبط بوجود إدارة حصيفة تمتلك الرؤية والجرأة التنفيذية. وفي هذا السياق، يبرز الدور القيادي الاستثنائي لمعالي سامي داوود، رئيس مجلس إدارة البريد الأردني، ومعه الفريق الإداري والتنفيذي، الذين قادوا مرحلة التحول المؤسسي الشامل بروح الفريق الواحد ، مترجمين التوجيهات الملكية السامية إلى واقع لمسته الحكومة والمواطن معاً، وامتدت أصداؤه دولياً عبر انتزاع مقعد في الاتحاد البريدي العالمي (UPU)، والحصول على معايير الأمن البريدي الفضية العالمية، وصولاً إلى الفوز بجائزة خدمة العملاء للبريد السريع (EMS) لثلاثة أعوام متتالية، والتي تم تسلمها رسمياً خلال عام ٢٠٢٦ الحاضر.

​إن تجربة البريد الأردني اليوم تحمل رسالة سياسية وإدارية بالغة الأهمية؛ فهي تؤكد أن تحديث القطاع العام لا يتحقق بالضرورة بهدم المؤسسات القائمة أو استحداث هياكل موازية، وإنما يبدأ عندما تتوافر الإرادة الإدارية، وتُعاد صياغة الأولويات، وتُدار الأصول الوطنية بعقلية استثمارية تستشرف المستقبل.

ولعل الدرس الأهم الذي تطرحه هذه التجربة هو أن نجاح مؤسسات الدولة لا يبدأ من وفرة الإمكانات، بل من جودة الإدارة، ووضوح الرؤية، والقدرة على تحويل التحديات إلى فرص. فحين تمتلك المؤسسة قيادة تؤمن بالتغيير، وإدارة تعرف كيف تستثمر الأصول والموارد البشرية والتكنولوجيا، تصبح التحديات مادةً للإنجاز، لا مبرراً للتراجع.

ومن هنا، فإن قصة البريد الأردني لا تستحق التوقف عندها بوصفها قصة نجاح لمؤسسة وطنية فحسب، بل لأنها تقدم نموذجاً عملياً يمكن أن يُحتذى في مسيرة تحديث القطاع العام، وتؤكد أن الإصلاح الحقيقي لا يُقاس بكثرة الخطط والبرامج، وإنما بجودة التنفيذ، والنتائج التي يلمسها المواطن، وبالمؤسسات التي تتحول من عبء على الدولة إلى قيمة مضافة للاقتصاد الوطني.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم