الخطيب يكتب: محمد المومني .. والاتصال الحكومي حين يصبح جسراً للثقة

منذ 3 ساعات
المشاهدات : 15376
الخطيب يكتب: محمد المومني ..  والاتصال الحكومي حين يصبح جسراً للثقة
عقيد متقاعد محمد الخطيب

عقيد متقاعد محمد الخطيب

لم يعد الاتصال الحكومي في الدولة الحديثة وظيفةً تقتصر على إصدار البيانات أو عقد المؤتمرات الصحفية، بل أصبح أحد أهم أدوات الإدارة الرشيدة، وركناً أساسياً في بناء الثقة بين الدولة والمواطن. فكل قرار حكومي، مهما بلغت أهميته، يحتاج إلى خطاب واضح يشرح أسبابه، ويبين أهدافه، ويجيب عن تساؤلات الناس، لأن الفراغ في المعلومة لا يبقى فراغاً طويلاً، بل تملؤه الشائعات والتأويلات.

ومن هنا، فإن نجاح أي حكومة لم يعد يقاس فقط بما تنجزه من برامج وسياسات، وإنما أيضاً بقدرتها على التواصل مع المواطنين، والاستماع إليهم، وإشراكهم في فهم القرارات التي تمس حياتهم اليومية. فالشفافية لم تعد ترفاً إدارياً، بل أصبحت ضرورة من ضرورات الحكم الرشيد، والاتصال الحكومي هو أداتها الأولى.

منذ تولي الدكتور محمد المومني وزارة الاتصال الحكومي والناطق الرسمي باسم الحكومة، يمكن ملاحظة توجه واضح نحو تعزيز حضور الاتصال الحكومي في المشهد العام، سواء من خلال المؤتمرات الصحفية بالمحافظات او منتدى الاتصال الحكومي، أو تكثيف اللقاءات الإعلامية، أو الانفتاح على الجامعات ومؤسسات المجتمع، أو الاهتمام بقضايا الوعي الإعلامي والدراية الرقمية في مواجهة سيل المعلومات المضللة الذي يرافق الثورة التقنية.

ولا يبدو هذا النهج مستغرباً على الدكتور المومني، فهو لا يبدأ تجربته من نقطة الصفر وهو الاطول عمرا كوزير لملف الاعلام في هذا الملف عبر مسيرة الدولة الأردنية، بل يستند إلى مسيرة أكاديمية وسياسية وإعلامية طويلة، أتاحت له فهماً عميقاً لطبيعة العلاقة بين الإعلام والدولة، وبين المعلومة والرأي العام، وبين السياسة والاتصال. لذلك بدا أكثر إدراكاً من غيره أن الاتصال الحكومي ليس ترفاً مؤسسياً، بل ضرورة وطنية.

ومع ذلك، فإن المرحلة التي نعيشها اليوم أكثر تعقيداً من أي وقت مضى. فالمواطن لم يعد ينتظر نشرة الأخبار أو البيان الرسمي، بل تصله المعلومة خلال ثوانٍ عبر هاتفه المحمول، ويقرأ عشرات الروايات قبل أن يصل إليه التوضيح الرسمي. ولهذا، فإن سرعة الاستجابة وحدها لم تعد كافية، بل أصبحت المبادرة في تقديم المعلومة هي المعيار الحقيقي لنجاح الاتصال الحكومي.

إن المواطن لا يريد أن يسمع القرار فقط، بل يريد أن يفهم خلفياته، والخيارات التي سبقت اتخاذه، والنتائج المتوقعة منه، وتأثيره المباشر على حياته. وعندما يشعر الناس أن الحكومة تشرح لهم قبل أن تُسأل، وتبادر قبل أن تُجبر على الرد، فإن مساحة الثقة تتسع، وتتراجع مساحة الشائعات والقراءات الخاطئة.

ولعل من أهم ما يمكن أن يعزز الاتصال الحكومي خلال المرحلة المقبلة، هو توسيع دائرة الحوار مع مختلف فئات المجتمع، وعدم الاكتفاء بالتواصل مع وسائل الإعلام التقليدية. فالنقابات المهنية، والجامعات، والقطاع الخاص، ومؤسسات المجتمع المدني، والشباب، وصنّاع المحتوى، جميعهم شركاء في تشكيل الوعي العام، ومن المهم أن يكونوا جزءاً من عملية الاتصال، لا مجرد متلقين للرسائل الرسمية.

كما أن الإعلام الوطني، بكل مدارسه واتجاهاته، يحتاج إلى علاقة تقوم على الشراكة المهنية القائمة على احترام حق الوصول إلى المعلومة، لأن الإعلام ليس خصماً للحكومة، كما أن الحكومة ليست خصماً للإعلام. وعندما تتوافر المعلومة الدقيقة في وقتها المناسب، يصبح الإعلام حليفاً في مواجهة الإشاعة، وشريكاً في بناء الوعي.

ولا شك أن الدكتور محمد المومني يمتلك من الخبرة والكفاءة ما يؤهله للانتقال إلى مرحلة أكثر تقدماً، عنوانها التواصل الاستباقي، والشفافية الأوسع، والانفتاح على مختلف الآراء، حتى تلك التي تحمل النقد. فالحكومات الواثقة من نفسها لا تخشى الحوار، بل تعتبره أحد مصادر القوة وتصويب الأداء.

إن ما تحقق حتى الآن يستحق التقدير، لكنه في الوقت نفسه يرفع سقف التوقعات. فالناس اعتادت أن ترى في الدكتور المومني شخصية قريبة من الإعلام، ومؤمنة بالحوار، وقادرة على تقديم الرسالة الحكومية بلغة هادئة ومتزنة، وهذه الصفات تمنحه فرصة حقيقية لإرساء نموذج جديد في الاتصال الحكومي، يقوم على بناء الثقة قبل إدارة الأزمات، وعلى صناعة القناعة قبل الدفاع عن القرار.

وفي النهاية، فإن نجاح الاتصال الحكومي لا يقاس بعدد المؤتمرات الصحفية، ولا بعدد البيانات الصادرة، بل بقدرة المواطن على أن يقول: لقد فهمت، واقتنعت، وشعرت أن الحكومة احترمت حقي في المعرفة.

وهذه، في تقديري، هي المهمة الكبرى أمام الدكتور محمد المومني في المرحلة المقبلة. وإذا نجح في ترسيخ هذا النهج، فإنه لن يكون قد نجح كوزير اتصال حكومي فحسب، بل سيكون قد أسهم في ترسيخ ثقافة جديدة للعلاقة بين الدولة والمجتمع، تقوم على الثقة، والوضوح، والاحترام المتبادل.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم