د. هيثم علي حجازي يكتب: مؤتمر وطني للتعليم العالي في الأردن: ضرورة أمْ ترف؟

منذ 2 ساعة
المشاهدات : 25812
د. هيثم علي حجازي يكتب: مؤتمر وطني للتعليم العالي في الأردن: ضرورة أمْ ترف؟
د. هيثم علي حجازي

د. هيثم علي حجازي

يواجه التعليم العالي في الأردن مرحلة دقيقة تتطلب وقفة وطنية جادة، لا تكتفي بتشخيص المشكلات، بل تنتقل إلى صياغة رؤيا واضحة قابلة للتنفيذ. فالجامعات الأردنية، بما تمتلكه من تاريخ أكاديمي وكفاءات بشرية، ما تزال ركيزة أساسية في بناء الدولة والمجتمع، لكنها اليوم تقف أمام تحديات متراكمة لم يعد ممكناً التعامل معها بحلول جزئية أو مؤقتة.


وتزداد أهمية هذه الوقفة الوطنية في ضوء خطوة دمج وزارتي التربية والتعليم والتعليم العالي، لتصبح وزارة التربية والتعليم وتنمية الموارد البشرية. فهذه الخطوة لا ينبغي أن تُقرأ بوصفها تعديلاً إدارياً أو هيكلياً فحسب، بل باعتبارها فرصة لإعادة بناء المنظومة التعليمية الأردنية بوصفها مساراً وطنياً واحداً يبدأ من الطفولة المبكرة والتعليم المدرسي، ويمتد إلى التعليم العالي، والتدريب المهني والتقني، والتعلم مدى الحياة، وصولاً إلى سوق العمل والتنمية الاقتصادية.


من أبرز التحديات التي يواجهها قطاع التعليم العالي اتساع الفجوة بين مخرجات هذا القطاع واحتياجات سوق العمل. فما زالت بعض التخصصات تُخرّج أعداداً تفوق قدرة السوق على الاستيعاب، في حين تحتاج قطاعات أخرى إلى مهارات نوعية في التكنولوجيا، والذكاء الاصطناعي، والطاقة، والصناعات الحديثة، والتعليم التقني والمهني. وهذه الفجوة لا تؤثر فقط في فرص تشغيل الخريجين، بل تنعكس أيضاً على ثقة المجتمع بالجامعة ودورها التنموي.
كما تواجه الجامعات تحديات مالية متزايدة، خصوصاً في ظل ارتفاع كلفة التعليم والبحث العلمي، واعتماد بعض المؤسسات على الرسوم الجامعية بوصفها مصدراً رئيسياً للدخل. وهذا الواقع يضغط على جودة التعليم، ويحد من قدرة الجامعات على تحديث مختبراتها، وتطوير برامجها، واستقطاب الكفاءات، ودعم البحث العلمي التطبيقي المرتبط بحاجات المجتمع والاقتصاد.
ولا يمكن تجاهل تحدي جودة التعليم والاعتماد الأكاديمي. فالمطلوب اليوم ليس فقط زيادة أعداد الطلبة أو البرامج، بل ضمان أن تكون الشهادات الجامعية ذات قيمة حقيقية، وأن يمتلك الخريج المعرفة والمهارة والقدرة على التفكير النقدي والإبداع والعمل ضمن بيئات متغيرة. كما أن التحول الرقمي في التعليم، رغم أهميته، كشف الحاجة إلى بنية تحتية أقوى، ومهارات تدريسية حديثة، وسياسات واضحة للتعليم الإلكتروني والمدمج.
إلى جانب ذلك، يبرز تحدي البحث العلمي والابتكار. فالجامعة الحديثة ليست مؤسسة لتخريج الطلبة فقط، بل مركز لإنتاج المعرفة وحل المشكلات الوطنية. والأردن بحاجة إلى جامعات أكثر ارتباطاً بقضايا المياه والطاقة والصحة والزراعة والصناعة والتحول الرقمي، مما يتطلب تمويلاً مستداماً، وشراكات حقيقية مع القطاعين العام والخاص، وتشجيعاً للباحثين على تحويل أفكارهم إلى مشاريع ومنتجات وسياسات نافعة.
أمام هذه التحديات، تصبح الدعوة إلى عقد مؤتمر وطني شامل للتعليم العالي في الأردن ضرورة وطنية ملحّة. والمؤتمر المطلوب لا ينبغي أن يكون مناسبة بروتوكولية أو لقاءً عابراً، بل منصة حقيقية تجمع الحكومة والجامعات الرسمية والخاصة، والطلبة، وأعضاء هيئة التدريس، والقطاع الخاص، والنقابات، ومؤسسات المجتمع المدني، والخبراء الأردنيين في الداخل والخارج.
تأتي هذه الدعوة منسجمة تماماً مع فلسفة دمج الوزارتين في وزارة التربية والتعليم وتنمية الموارد البشرية؛ إذ لا يمكن أن تنجح عملية الدمج بمجرد جمع الهياكل الإدارية تحت مظلة واحدة، ما لم ترافقها رؤيا وطنية واضحة تحدد العلاقة بين التعليم المدرسي والتعليم العالي، وبين المناهج الجامعية والمهارات المطلوبة، وبين القبول الجامعي والتخطيط للموارد البشرية. ومن هنا، فإن المؤتمر الوطني للتعليم العالي يمكن أن يكون أحد أهم المداخل العملية لترجمة هذا الدمج إلى سياسات وبرامج قابلة للتنفيذ.
كما تكمن أهمية هذا المؤتمر في أنه يوفر مساحة وطنية للحوار الصريح حول مستقبل التعليم العالي، بعيداً عن المعالجات الفردية والموسمية. كما أنه يمكن أن يؤسس لخريطة طريق واضحة تتناول إصلاح التشريعات، وتطوير الحوكمة الجامعية، وإعادة النظر في التخصصات، وربط القبول الجامعي بحاجات التنمية، وتحسين جودة التعليم، وتعزيز البحث العلمي، وتوسيع التعليم التقني، وضمان العدالة في الوصول إلى التعليم.
إن الأردن لا يفتقر إلى العقول ولا إلى الخبرات، لكنه يحتاج إلى تنسيق وطني جامع وإرادة تنفيذية واضحة. ومن هنا، فإن عقد مؤتمر وطني للتعليم العالي يمكن أن يشكل نقطة تحول إذا خرج بتوصيات محددة، وجداول زمنية، ومسؤوليات معلنة، وآليات متابعة ومساءلة، لا بمجرد بيانات عامة.
كما أن الوزارة الجديدة، بصيغتها المقترحة كوزارة للتربية والتعليم وتنمية الموارد البشرية، ستكون أمام مسؤولية كبرى في بناء جسور حقيقية بين مراحل التعليم المختلفة. وهذا يتطلب أن يكون التعليم العالي جزءاً أصيلاً من مشروع وطني أوسع لتنمية الإنسان الأردني، لا قطاعاً منفصلاً يُنظر إليه عند مرحلة الجامعة فقط. فإصلاح التعليم العالي يبدأ قبل الجامعة، من جودة التعليم المدرسي، ومن بناء المهارات الأساسية، ومن توجيه الطلبة مبكراً نحو مسارات أكاديمية ومهنية تتناسب مع قدراتهم وحاجات الوطن.
التعليم العالي ليس قطاعاً معزولاً عن مستقبل الدولة؛ إنه بوابة الاقتصاد، ورافعة الإدارة العامة، ومصدر الكفاءات، وحاضنة الوعي الوطني. لذلك فإن إصلاحه لم يعد خياراً مؤجلاً، بل شرطاً أساسياً لعبور الأردن إلى مرحلة أكثر قدرة على المنافسة والإنتاج والابتكار.
إن عقد مؤتمر وطني للتعليم العالي في الأردن اليوم هو دعوة إلى التفكير الجماعي في المستقبل، وإلى حماية الجامعة بوصفها مؤسسة وطنية كبرى، وإلى إعادة بناء الثقة بين التعليم والمجتمع وسوق العمل. وكل تأخير في هذا الملف يعني مزيداً من الكلفة على الطلبة والأسر والدولة، وكل خطوة جادة فيه تعني استثماراً مباشراً في مستقبل الأردن.
ومن هنا، فإن تزامن الدعوة إلى هذا المؤتمر مع مرحلة دمج الوزارتين يمنح الأردن فرصة نادرة لصياغة عقد تعليمي جديد، يقوم على التكامل لا التجزئة، وعلى التخطيط طويل المدى لا المعالجات المؤقتة. فإذا أُحسن استثمار هذه اللحظة، يمكن أن تتحول وزارة التربية والتعليم وتنمية الموارد البشرية إلى رافعة حقيقية لإصلاح التعليم بكامل مراحله، ويصبح المؤتمر الوطني للتعليم العالي خطوة تأسيسية في هذا المسار، لا حدثاً منفصلاً عنه.

*رئيس ديوان الخدمة المدنية الأسبق
أمين عام رئاسة الوزراء الأسبق

شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم