د. زيد إحسان الخوالدة يكتب: جدل الحميات ونمط الحياة الصحي

منذ 1 شهر
المشاهدات : 38267
د. زيد إحسان الخوالدة يكتب: جدل الحميات ونمط الحياة الصحي
د. زيد إحسان الخوالدة

د. زيد إحسان الخوالدة

في كل مرحلة من مراحل التاريخ الصحي الحديث تظهر حمية غذائية جديدة تعد الناس بالصحة المثالية، أو الوقاية من الأمراض، أو خسارة الوزن، أو حتى إطالة العمر. وما إن تكتسب هذه الحمية شهرة واسعة حتى تظهر حمية أخرى تناقضها، لتدخل المجتمعات في جدل لا ينتهي بين الممنوع والمسموح، وبين الإفراط والحرمان.

لكن المتأمل في مسار العلوم الصحية يلاحظ أن الحقيقة غالباً لا تقف عند أطراف الجدل، بل في منطقة أكثر هدوءاً واتزاناً.

فالأصل في الإنسان السليم ليس الحرمان الدائم من مجموعات غذائية كاملة، ولا الإفراط في استهلاك نوع واحد من الغذاء، وإنما التنوع والاعتدال. وقد أثبتت الخبرة الطبية والبحثية أن استجابة الناس للأطعمة ليست متطابقة؛ فهناك من يتحسس من غذاء معين، وهناك من يعاني من عدم تحمل لبعض الأطعمة، وهناك من يشعر بتحسن عند تقليل مكونات غذائية محددة. لكن هذا لا يعني بالضرورة أن ما يناسب فرداً واحداً يصلح قاعدة عامة للجميع.

ومن الأمثلة التي يكثر حولها الجدل اليوم مسألة الامتناع الطويل عن الخضار أو البقوليات أو الحبوب الكاملة. صحيح أن بعض الأشخاص قد يشعرون بتحسن مؤقت عند تقليل بعض هذه الأطعمة، خاصة في حالات تهيج القولون أو بعض اضطرابات الهضم، كما أن بعض الأنظمة الغذائية قد تحقق فوائد علاجية أو استقلابية في حالات محددة وتحت إشراف مختصين. إلا أن تعميم هذه التجارب الفردية على جميع الناس يبقى محل نقاش علمي، خصوصاً أن هذه المجموعات الغذائية تمثل مصدراً مهماً للألياف والفيتامينات والمعادن والمركبات النباتية النافعة، كما ترتبط في كثير من الدراسات بدعم التنوع البكتيري في الجهاز الهضمي وتحسين جودة النظام الغذائي بصورة عامة.

ولهذا فإن التحسن المرحلي لا ينبغي أن يتحول إلى حكم دائم، بل قد يكون من الحكمة إعادة إدخال هذه الأطعمة بصورة تدريجية ومدروسة وفق قدرة الجسم على تحملها، مع المحافظة على أكبر قدر ممكن من التنوع الغذائي.

ولفهم ما يجري اليوم، لا بد من العودة إلى تطور التوصيات الغذائية العالمية، لأن كثيراً من الجدل المعاصر هو في حقيقته امتداد لنقاشات بدأت منذ عقود.

ففي أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي لم يكن هناك هرم غذائي بالشكل المعروف اليوم، بل كانت الأولوية لدى الحكومات والمؤسسات الصحية تتمثل في مكافحة سوء التغذية ونقص الفيتامينات والمعادن بعد الحروب العالمية. وكانت الرسالة الأساسية آنذاك بسيطة: تناول غذاءً كافياً ومتنوعاً لتجنب النقص الغذائي.

ثم جاءت سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، حيث تصاعد القلق من أمراض القلب والشرايين، وبدأ التركيز على تقليل الدهون المشبعة والكوليسترول. والدهون المشبعة هي الدهون الموجودة بكميات متفاوتة في السمن الحيواني والزبدة والشحوم الحيوانية واللحوم الدسمة وبعض منتجات الألبان كاملة الدسم، إضافة إلى بعض الزيوت النباتية مثل زيت النخيل وزيت جوز الهند.

أما الهرم الغذائي الأشهر الذي صدر عام 1992 فقد أصبح رمزاً لمرحلة كاملة من التثقيف الغذائي. فقد وضع الخبز والحبوب والأرز والمعكرونة في قاعدة الهرم باعتبارها المصدر الرئيسي للطاقة، ثم جاءت الخضار والفواكه في الطبقة الثانية، ثم الحليب واللحوم والبقوليات في الطبقة الثالثة، بينما وضعت الدهون والزيوت والحلويات في قمة الهرم باعتبارها الأغذية التي ينبغي استهلاكها بأقل قدر ممكن.

ورغم الانتقادات التي وجهت إليه لاحقاً، إلا أن هذا الهرم نجح في ترسيخ مفاهيم مهمة لدى الناس، مثل أهمية التنوع الغذائي، والإكثار من الخضار والفواكه، وعدم الإفراط في الحلويات والدهون. لكن من أبرز ملاحظاته أنه لم يفرق بصورة كافية بين الحبوب الكاملة والحبوب المكررة، ولا بين الدهون الصحية والدهون الضارة.

وفي عام 2005 ظهر هرم جديد عرف باسم MyPyramid، حيث استبدلت الطبقات الأفقية بأشرطة رأسية مختلفة الألوان تمثل المجموعات الغذائية المختلفة. والأهم من ذلك أنه أضاف لأول مرة شخصاً يصعد الدرج إلى جانب الهرم، في رسالة واضحة مفادها أن النشاط البدني جزء من الصحة وليس مجرد أمر إضافي. كما تحول التركيز من مجرد تقليل الدهون إلى تحقيق التوازن بين مختلف المجموعات الغذائية.

ثم جاء نموذج MyPlate عام 2011 الذي استبدل الهرم بطبق غذائي مقسم إلى خضار وفواكه وحبوب وبروتينات مع جزء صغير لمنتجات الألبان. وكان الهدف تبسيط الرسالة الصحية وربطها مباشرة بما يراه الإنسان في طبقه اليومي بدلاً من محاولة تفسير طبقات الهرم.

وخلال العقد الأخير ظهرت نماذج أكثر شمولاً، خاصة في حوض البحر الأبيض المتوسط وفي مدارس طب ونمط الحياة الحديثة. وهنا حدث التحول الأهم؛ إذ لم تعد قاعدة الهرم تتكون من الطعام فقط، بل أصبحت تضم النشاط البدني اليومي، والنوم الكافي، والعلاقات الاجتماعية الصحية، والمشاركة المجتمعية، وإدارة الضغوط النفسية، والتوازن النفسي. وفي بعض هذه النماذج أصبحت الصحة النفسية والعلاقات الاجتماعية جزءاً من أساس الهرم نفسه، في اعتراف علمي متزايد بأن الإنسان لا يصنع صحته بما يأكل فقط، بل أيضاً بكيفية عيشه.

ومع تطور المعرفة العلمية بدأ التمييز بصورة أوضح بين الحبوب الكاملة والحبوب المكررة، وبين الدهون الصحية والدهون الضارة، وبين الغذاء الطبيعي والأغذية فائقة التصنيع. كما ازداد الاهتمام بالبروتين لدوره في المحافظة على الكتلة العضلية والشعور بالشبع، خصوصاً مع التقدم في العمر وارتفاع معدلات السمنة وقلة النشاط البدني.

إلا أن التصحيح العلمي لا ينبغي أن يتحول إلى تطرف جديد. فكما أن المبالغة سابقاً في الخوف من الدهون لم تكن دقيقة بالكامل، فإن المبالغة اليوم في تمجيد البروتين أو بعض الأنظمة الغذائية الصارمة لا تعكس الصورة الكاملة للصحة الإنسانية.

أما الجدل الغذائي الأحدث فقد ارتبط بالتركيز على البروتين والدهون الصحية وتقليل الأغذية فائقة التصنيع والسكريات المضافة. ويرى مؤيدو هذا الاتجاه أنه استجابة طبيعية لارتفاع معدلات السمنة والسكري وفقدان الكتلة العضلية، بينما يحذر آخرون من أن يتحول التصحيح العلمي إلى مبالغة جديدة تقلل من أهمية الخضار والبقوليات والحبوب الكاملة التي ما تزال تحتفظ بمكانة مهمة في معظم التوصيات الصحية العالمية.

ولا يخفى على أحد أن صناعة الغذاء والدواء والاعتبارات الاقتصادية والسياسية قد تؤثر أحياناً في النقاشات الصحية العامة وصياغة بعض التوصيات أو أولويات البحث، وقد أشارت بعض الدراسات والتحليلات التاريخية إلى وجود مثل هذه التأثيرات في فترات مختلفة. إلا أن ذلك لا يلغي وجود مؤسسات علمية وأكاديمية رصينة تعمل بصورة مستقلة نسبياً على مراجعة الأدلة وتحديث التوصيات كلما ظهرت معطيات علمية جديدة.

أما السكر، وخصوصاً سكر المائدة (السكروز)، فليس من الدقة اعتباره سماً مطلقاً كما يروج البعض، كما أنه ليس غذاءً ضرورياً لا يمكن الاستغناء عنه. والاتجاه العلمي السائد اليوم يدعو إلى تقليل السكريات المضافة والحد من الإفراط فيها، مع التركيز على جودة النظام الغذائي ككل بدلاً من اختزال الصحة في عنصر واحد.

ومن المهم هنا التمييز بين السكر الطبيعي الموجود في الفواكه الكاملة والحليب وبعض الأغذية الطبيعية، وبين السكريات المضافة الموجودة بكميات كبيرة في المشروبات المحلاة والحلويات والأغذية فائقة التصنيع. فالمشكلة الصحية الرئيسية لا تكمن في وجود السكر بحد ذاته ضمن نظام غذائي متوازن، بل في الإفراط المزمن في استهلاك السكريات المضافة وما يرتبط به من زيادة في السعرات الحرارية واضطرابات استقلابية لدى بعض الفئات.

ومن الأسئلة الشائعة أيضاً: ما هو الخبز الكامل؟

والإجابة ببساطة أن خبز القمح الكامل هو الخبز المصنوع من حبة القمح كاملة بما تحتويه من النخالة والجنين والسويداء. أما الخبز الأبيض فيصنع عادة من دقيق مكرر أزيلت منه أجزاء مهمة من الحبة. وإذا أضيفت النخالة أو جزء من القمح الكامل إلى الدقيق الأبيض فإن ذلك قد يحسن من قيمته الغذائية، لكن تبقى الأفضلية للمنتجات الأقل معالجة والأقرب إلى طبيعتها الأصلية.

ومن اللافت أن كثيراً من الأبحاث الحديثة عادت إلى دراسة الصيام المتقطع وآثاره المحتملة في بعض الجوانب الاستقلابية والصحية. غير أن الصيام ليس اكتشافاً حديثاً في تاريخ الإنسان، بل ممارسة عرفتها الحضارات والأديان منذ قرون طويلة. وفي الصيام الديني تتجاوز الفائدة مجرد الامتناع المؤقت عن الطعام والشراب لتشمل الانضباط السلوكي، وتنظيم العادات، وتعزيز القدرة على ضبط الرغبات. وربما لهذا السبب يلتقي مفهوم الصيام مع فلسفة نمط الحياة الصحي في نقطة جوهرية واحدة: الاعتدال. فالصحة لا تتحقق بالإفراط في الأكل، ولا بالإفراط في الحرمان، وإنما بالقدرة على إدارة العلاقة مع الطعام إدارة متوازنة ومستدامة.

وكأن العلم عاد اليوم ليؤكد حقيقة عرفتها المجتمعات السوية منذ زمن طويل: أن الإنسان لا يعيش بما يأكل فقط، بل أيضاً بكيفية عيشه.

فالنوم الجيد يؤثر في الشهية والوزن والمناعة. والنشاط البدني يحسن صحة القلب والعضلات والمزاج. والعلاقات الاجتماعية المتوازنة ترتبط بانخفاض معدلات القلق والاكتئاب وتحسن جودة الحياة. كما أن إدارة الضغوط النفسية أصبحت جزءاً أساسياً من الوقاية الصحية وليس مجرد قضية نفسية منفصلة.

ولهذا فإن الحديث عن الصحة في القرن الحادي والعشرين لم يعد حديثاً عن الطعام فقط، بل عن نمط الحياة بأكمله.

وفي النهاية، قد تختلف الحميات الغذائية، وتتغير الرسومات من هرم إلى طبق إلى نماذج جديدة، وقد تتبدل التوصيات مع تطور المعرفة العلمية، لكن تبقى قاعدة واحدة أكثر ثباتاً من غيرها: غذاء طبيعي متنوع، حركة يومية، نوم كافٍ، علاقات إنسانية صحية، وابتعاد قدر الإمكان عن الأغذية فائقة التصنيع.

وربما بعد عقود من الجدل الغذائي، يعود العلم تدريجياً إلى ما عرفته البشرية منذ زمن طويل: الاعتدال في الطعام، والحركة، والنوم، والصيام المنضبط، والعلاقات الإنسانية السليمة، تبقى أكثر ثباتاً من معظم الحميات العابرة.

فالصحة ليست في أن نمنع كل شيء، ولا في أن نأكل كل شيء، بل في أن نعيش بتوازن.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم