لم يعد الحديث عن القيم ترفاً ثقافياً أو مناسبةً خطابية عابرة، بل أصبح حديثاً عن مصير المجتمع، وعن قدرته على البقاء متماسكاً وسط عواصف التغيير المتلاحقة. فالقيم ليست كلماتٍ معلّقة على جدران المدارس، ولا شعاراتٍ تُستدعى في المناسبات، بل هي البوصلة الخفية التي تنظّم علاقة الإنسان بذاته وبأسرته وبمجتمعه ووطنه.
لقد دخل العالم مرحلة لم تعد فيها التحولات تحتاج إلى عقود كي تترك آثارها، بل باتت تتسلل إلى تفاصيل الحياة خلال سنوات قليلة، وربما أشهر معدودة. تتغير طرق العمل، وأنماط التعلم، وأشكال العلاقات، ومصادر المعرفة، وحتى تعريف النجاح ذاته. وما كان يُنظر إليه سابقاً بوصفه ثابتاً، أصبح اليوم قابلاً للمراجعة والتأويل وإعادة الصياغة. ومن هنا تنشأ المعضلة: هل تتغير القيم ذاتها، أم أن الذي يتغير هو فهمنا لها وموقعها في حياتنا؟
ربما لا تموت القيم الكبرى بسهولة؛ فالعدل، والكرامة، والصدق، والرحمة، والانتماء، والمسؤولية، والتكافل، تبقى في جوهرها حاجات إنسانية لا يستغني عنها أي مجتمع. لكن دلالاتها تتبدل حين تتغير البيئة التي يعيش فيها الإنسان. فالنجاح، مثلاً، لم يعد يعني فقط التفوق العلمي أو الحصول على وظيفة مستقرة، بل صار يرتبط بالقدرة على الابتكار، والذكاء الاجتماعي، والمرونة النفسية، وإدارة الذات، وصناعة الفرص. وكذلك الحرية لم تعد تعني مجرد القدرة على التعبير، بل أصبحت مرتبطة بالمسؤولية عن أثر الكلمة والصورة والمعلومة في فضاء رقمي مفتوح لا يعترف كثيراً بالحدود.
إن الثورة الرقمية لم تغيّر الأدوات فحسب، بل أعادت تشكيل الوعي. فالهاتف الذكي لم يعد جهازاً للاتصال، بل صار نافذةً دائمة على العالم، ومنبراً للرأي، وساحةً للصراع، ومصدراً للمعرفة، وأحياناً بديلاً عن الأسرة والمدرسة والكتاب. وفي هذا الفضاء الواسع، يصبح الفرد معرضاً لتدفق هائل من الأفكار والقيم والرموز، بعضها يثري تجربته ويمنحه أفقاً أوسع، وبعضها يربكه ويجعله يعيش في حالة من التمزق بين هويات متعددة وانتماءات متنافسة.
وهنا لا تكمن المشكلة في الانفتاح ذاته، فالانغلاق ليس حلاً، كما أن الخوف من العالم لا يصنع مجتمعاً قوياً. المشكلة تبدأ حين يدخل المجتمع إلى العالم الجديد بلا مناعة فكرية، وبلا قدرة على التمييز بين المعرفة والتضليل، وبين الحرية والفوضى، وبين التنوع والذوبان، وبين التطور والتخلي عن الذات. فالمجتمع الذي لا يملك روايته الثقافية الخاصة يصبح مستهلكاً لروايات الآخرين، ويجد نفسه بعد حين يتحدث بلغتهم القيمية، حتى وإن بقي يتكلم بلغته الأم.
لقد انتقل كثير من المجتمعات من صلابة الجماعة إلى سيولة الفرد، ومن العلاقات المباشرة إلى العلاقات الافتراضية، ومن التكافل الطبيعي إلى الحسابات المادية الباردة. ولم يعد الجار يعرف جاره كما كان، ولا الأسرة تجتمع كما كانت، ولا الحوار يحتفظ دائماً بعمقه وهدوئه. في المقابل، ازدادت سرعة الحكم على الناس، واتسعت مساحات الاستقطاب، وضعفت الثقة بالمؤسسات، وأصبح الرأي السريع أكثر حضوراً من الفكرة المتأنية.
لكن الخطر الحقيقي ليس في أن يتغير العالم، بل في أن نتعامل مع هذا التغير بعقلية الإنكار أو الاستسلام. فالإنكار يجعلنا نعيش خارج الزمن، والاستسلام يجعلنا نعيش بلا هوية. أما الطريق الأصعب والأكثر نضجاً، فهو أن نمتلك القدرة على التكيف دون أن نفقد جذورنا، وأن نراجع أدواتنا التربوية والثقافية دون أن نهدم منظومتنا الأخلاقية، وأن نفتح أبوابنا للمعرفة دون أن نترك بيوتنا بلا حراسة فكرية.
إن بناء منظومة قيمية قادرة على مواجهة العصر لا يكون عبر الوعظ وحده، ولا عبر تكرار الخطابات التقليدية، بل عبر تحويل القيم إلى ممارسة يومية. فالصدق يجب أن يظهر في الإدارة والعمل والإعلام، والعدالة يجب أن تُرى في الفرص والقوانين، والانتماء يجب أن يُترجم إلى خدمة عامة، والحوار يجب أن يصبح ثقافةً لا مناسبة، والنقد يجب أن يُعامل بوصفه طريقاً للإصلاح لا تهديداً للثوابت.
كما أن الأسرة لا تستطيع وحدها حمل عبء التربية، والمدرسة لا تستطيع وحدها صناعة الوعي، والمؤسسات الثقافية لا تستطيع وحدها حماية الهوية. إنها مسؤولية تشاركية تبدأ من البيت، وتمتد إلى المدرسة، وتصل إلى الإعلام والمؤسسات الدينية والثقافية، وتنتهي عند الدولة بوصفها الحاضنة الكبرى للعدالة والمواطنة والفرص المتكافئة.
إن المجتمع لا يُقاس فقط بما يمتلكه من تقنيات أو أبراج أو شبكات اتصال، بل بما يحتفظ به من قدرة على حماية إنسانيته. فالتكنولوجيا يمكن أن تجعل الإنسان أسرع، لكنها لا تجعله بالضرورة أكثر حكمة؛ والذكاء الاصطناعي يمكن أن يوسع قدراته، لكنه لا يمنحه ضميراً؛ والعولمة قد تفتح الحدود، لكنها لا تبني وطناً إذا لم يكن الوطن قائماً في وجدان أبنائه.
لهذا، فإن معركة القيم ليست معركة ضد المستقبل، بل معركة من أجل مستقبلٍ أكثر اتزاناً. مستقبل يعرف كيف يستفيد من المعرفة دون أن يعبدها، وكيف يستخدم التقنية دون أن يتحول إلى تابع لها، وكيف ينفتح على العالم دون أن يذوب فيه. فالقيم التي تستحق البقاء ليست تلك التي تُحفظ في الكتب، بل تلك التي تستطيع أن تعيش في الشارع، وفي المدرسة، وفي البيت، وفي المؤسسة، وفي ضمير الإنسان عندما لا يراه أحد.
م. صلاح طه عبيدات
وسوم:
شارك المقال:
الأكثر قراءة
01
الأردن اليوم
لمن يعرفهم .. مبالغ لعشرات الأردنيين ستؤول ملكيتها إلى خزينة الدولة - (أسماء)
منذ 6 أيام
02
03
منوعات من العالم
اعترافات صادمة في جريمة تمارا عمران .. خطيبها يقر بقتلها والتخلص من جثمانها في عكا
منذ 4 أيام
04
05
الأردن اليوم
الأردن .. «يا بتوخذي مصاري يا بجيب منك أولاد» .. عبارة كلّفت طالباً جامعياً الحبس شهراً
منذ 3 أيام
آخر الأخبار
مقالات منوعة
احمد محمد علي يكتب: إيران ليست فانزويلا
منذ 3 ساعات
مقالات منوعة
وليد معابرة يكتب: الوعي المزعج للسلطة
منذ 8 ساعات
مقالات منوعة
محيلان يكتب: ماهو مصير الزاكي .. بعد تأجيل كأس آسيا .. ؟!
منذ 8 ساعات
مقالات منوعة
العساف يكتب : هيبة الخطاب الملكي .. كرامة المواطن بوصلة القيادة الهاشمية
منذ 20 ساعة
مقالات منوعة
المسؤول المتعسف وهالة الحصانة الوهمية
منذ 20 ساعة
أخبار فنية
فن
شيرين عبد الوهاب تبدأ نشاطها الفني من بيروت وأيمن بهجت قمر يعلن تفاصيل تعاونهما
منذ 2 ساعة
فن
أحمد سعد يتحدى الزمن والمرض لاستكمال ألبومه الجديد
منذ 3 ساعات
فن
بشرى تكشف حقيقة مغادرة أشرف زكي غروب "واتساب" بسببها
منذ 6 ساعات
فن
إلهام شاهين تتوعّد وتردّ على المسيئين إليها .. وحملة قوية للدفاع عنها
منذ 7 ساعات
فن
كريم فهمي ينفي تدهور صحته ويوجّه رسالة لمتابعيه
منذ 8 ساعات
أخبار رياضية
رياضة
خطوة نحو الرئاسة؟ .. تحرك مفاجئ من ريال مدريد تجاه نادال
منذ 1 ساعة
رياضة
جاي غابرييل يتوصل إلى اتفاق مع ريال مدريد
منذ 2 ساعة
رياضة
منع ظهور حسام حسن على كافة وسائل الإعلام المصرية
منذ 2 ساعة
رياضة
حسام حسن ومعتمد جمال ينافسان الركراكي ومحمد وهبي على أفضل مدرب في إفريقيا
منذ 3 ساعات
رياضة
حمزة عبد الكريم ينافس ديوماندي وبوعدي على جائزة أفضل لاعب شاب في إفريقيا
منذ 3 ساعات
منوعات من العالم
منوعات من العالم
هل تعيد أزمة والد ميغان ماركل الحراسة للأمير هاري في بريطانيا؟
منذ 1 ساعة
منوعات من العالم
نهاية غامضة لماعز صغير وآلاف الدولارات لمن يملك معلومات
منذ 3 ساعات
منوعات من العالم
11 عامًا من العمل .. أمريكي يدخل غينيس بكرة مطاطية عملاقة (فيديو)
منذ 4 ساعات
منوعات من العالم
صفعة واحدة دمّرت حياتها .. امرأة تركية تفقد السمع بعد اعتداء مفاجئ من صاحب 6 سوابق جنائية .. فيديو
منذ 8 ساعات
منوعات من العالم
من المطبخ إلى غرفة النوم .. مصادر خفية تلوث هواء منزلك
منذ 9 ساعات
الرجاء الانتظار ...
التعليقات