المسؤول المتعسف وهالة الحصانة الوهمية

منذ 1 ساعة
المشاهدات : 18682
المسؤول المتعسف وهالة الحصانة الوهمية
فراس نصوح المجالي

فراس نصوح المجالي

وقفت طويلا أمام تأكيد جلالة الملك عبدالله الثاني في خطاب العرش أنه "لا حصانة لمن يسيء استخدام منصبه أيا كان"، مستشعرا ما تنطوي عليه هذه القاعدة من إنصاف للمواطن، وما تفتحه من باب واسع لمساءلة ممارسات إدارية اعتاد أصحابها الاحتماء بهيبة الدولة، وهم أول من يسيء إليها.

وأعادني هذا الموقف إلى سؤال ظل يلح علي: من أين يستمد بعض المسؤولين تلك الطمأنينة التي تجعلهم يتصرفون في حقوق الناس ومصائر الموظفين، وكأن مساءلتهم أمر يتعذر على المؤسسات التي منحتهم السلطة؟

لقد عرفت إداراتنا صنفا من المسؤولين يجيد ارتداء مسوح الزهد والتواضع أمام الأضواء، ويتحدث عن العدالة والنزاهة ببلاغة، لكنه ما إن يخلو إلى كرسيه حتى يستعيد طبائع الحاكم بأمره، فيمنح ويحرم، ويقرب ويقصي، ويعامل الرأي المخالف باعتباره خروجا على الطاعة، ويوهم مرؤوسيه بأن الاعتراض على قراراته مساس بهيبة الدولة.

ولعل أخطر ما يميز هذا الصنف قدرته على استخدام القانون ستارا لممارسات تناقض مقاصده، إذ يعرف كيف يوظف الصلاحيات التقديرية، ويتقن صياغة المذكرات والقرارات بعبارات إدارية منمقة، تخفي خلفها أحيانا دوافع الانتقام والمحاباة وتصفية الحسابات.

والمشكلة الأعمق أن بعض هؤلاء لم يصنعوا نفوذهم وحدهم، فقد نشأت حول مواقعهم شبكات من المجاملات والمصالح المتبادلة، تمتد داخل المؤسسات وفيما بينها، وتمنح ذلك المسؤول شعورا بالأمان يجعله أكثر جرأة على حقوق الآخرين.

وإذا حاول متضرر استرداد حقه، وجد نفسه أحيانا أمام سلسلة من الأبواب التي يحرس بعضها أصحاب المصلحة أنفسهم، بينما تؤثر بعض الجهات الرقابية السلامة، أو تكتفي بسلامة الإجراءات الظاهرة دون النفاذ إلى حقيقة الدوافع التي أنتجت القرار.

فكم من كفاءة وطنية أبعدت بغير وجه حق، وموظف مستحق جرى تجاوزه في الترفيع لصالح من هو أقل منه كفاءة، وآخر دفع إلى عقوبة كيدية لأنه امتلك شجاعة الاعتراض على خطأ، أو رفض أن يكون عضوا في جوقة "نعم طال عمرك" التي تستمد امتيازاتها من رضا المسؤول.

ولا ينتهي المشهد عند حدود المزاج الشخصي، فبعض الإدارات تبتلى بمن يحمل إلى منصبه ولاءات شلة ضيقة، فيصبح سيفا لمصالحها، أو بمن تحركه عصبيات جهوية ومناطقية، فيوزع فرص العمل والترقي والإنصاف وفق خرائط القرب والخصومة.

وقد يتوارى مسؤول خلف مدير مكتبه أو تقارير الوشاة، فيستمع إلى الظنون أكثر مما يستمع إلى أصحاب الحقوق، بينما تنتقل بعض تفاهمات النفوذ من مكاتب الدولة إلى التعاليل والمزارع والصالونات الخاصة، حيث تتداخل المصالح العامة بالعلاقات الشخصية.

ومع ذلك، فإن اختزال المشكلة في طباع المسؤول يحجب نصف الحقيقة، فالمسؤول يغادر منصبه عاجلا أم آجلا، لكن البيئة التي سمحت له بالتعسف قد تبقى صالحة لإنتاج خليفة أشد منه استبدادا.

إن الخطاب الملكي الهاشمي يبقى منارة للعدل لدى الأردنيين، الذين يقابلون بالتقدير والامتنان مواقف ملكية أنصفت أصحاب مظالم إدارية وصلت إلى مقامه السامي.
لكن هذه اللفتات العادلة تضعنا أمام سؤال لا يجوز أن نتهرب منه: فهل يكتب لكل مظلوم أن تصل صرخته إلى القصر؟
ومن يضمن أن ينقل المؤتمنون على إيصال الحقيقة صورة الظلم دون تجميل، إذا كان في كشفها ما يحرج متنفذا ؟

إن المعيار الذي أكد عليه جلالة الملك يقتضي أن تمتلك المؤسسات من العدالة ما يغني المواطن عن البحث عن طريق استثنائي لاسترداد حقه.

وتلك مسؤولية تشريعية وحكومية ورقابية، تبدأ بضبط استخدام الصلاحيات التقديرية، وإلزام الإدارة بتسبيب قراراتها، وتوفير ضمانات فعالة للتظلم والاعتراض، وحماية الموظف من الانتقام الوظيفي، وإخضاع القرارات التي تمس الحقوق لمراجعة مستقلة لا تجامل صاحب المنصب.

وما أحوجنا إلى مراجعة أداء الجهات الرقابية نفسها؛ فالرقابة التي تكتفي بالبحث عن توقيع صحيح على قرار جائر قد تنتهي إلى حماية الإجراء الذي وقع به الظلم، بدلا من حماية الحق الذي أنشئت من أجله.

إن احترام الدولة لا يقاس بمقدار ما يخشاه الموظف من رئيسه، ولا بما يملكه المسؤول من القدرة على إسكات المعترضين.

فالقانون الذي يحمي الوظيفة العامة من العبث ينبغي أن يحمي الناس أيضا من عبث بعض شاغليها، وإلا أصبحت الصلاحية الإدارية امتيازا شخصيا يتوارثه المتنفذون، مهما تغيرت الوجوه والأسماء.

ولعل أصدق استجابة لرسالة الملك أن نصل إلى يوم لا يحتاج فيه المظلوم إلى أن يسمعه صاحب الجلالة كي ينصفه مسؤول، ولا يضطر فيه المواطن إلى الاستغاثة بأعلى سلطة في الدولة لاسترداد حق تكفله له قوانينها.

فإذا كان الملك قد أعلن أن لا حصانة لمن يسيء استخدام منصبه، فمن الذي يجرؤ بعد اليوم على توفير الحصانة له؟

شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم