فيصل تايه يكتب : عام هجري جديد وعالمٌ بين فوضى القوة وأزمة العدالة

منذ 3 ساعات
المشاهدات : 17429
 فيصل تايه يكتب : عام هجري جديد وعالمٌ بين فوضى القوة وأزمة العدالة
فيصل تايه

فيصل تايه

ذلك “المرسوم العمري الطاهر” الذي أرسى به الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه اعتماد الهجرة النبوية بدايةً للتقويم الإسلامي، كان تأسيساً لفكرة أن التاريخ لا يُقاس بتتابع السنوات، بل بلحظة التحول الكبرى التي تعيد صياغة موقع الإنسان من الهامش إلى الفعل، ومن الاستضعاف إلى بناء الدولة، ومن التشتت إلى صناعة المعنى السياسي والحضاري. وفي جوهرها، لم تكن الهجرة انسحاباً من الواقع، بل اقتحاماً لزمن جديد وبحثاً عن شرطٍ أدنى للحرية والأمان وبناء المجتمع.

واليوم، ونحن نستقبل عاماً هجرياً جديداً، لا يبدو الزمن مجرد انتقالٍ في تقويمٍ تتغير أرقامه، بل لحظة انكشافٍ إضافي لمعنى العالم نفسه، وكأن التاريخ يعيد طرح سؤاله القديم بصيغة أكثر قسوة: من يملك هذا العالم حقاً، ومن يحدد معنى العدالة فيه، ومن يرسم الحدود بين الحرب والحقيقة؟

اليوم، يدخل العالم عاماً هجرياً جديداً في لحظة دولية غير مسبوقة من إعادة التشكل القسري للنظام العالمي، حيث لم تعد فكرة “النظام الدولي” مرادفاً للاستقرار، بل لتوازنات قوة متحركة تتقدم فيها المصالح على القيم، وتُعاد فيها صياغة قواعد الاشتباك خارج أي يقين قانوني أو أخلاقي.

إن المفارقة القاسية اليوم تكمن في واقع اللجوء والنزوح القسري المعاصر، حيث تُدفع ملايين الشعوب خارج أوطانها تحت وطأة الحروب، لتصطدم بجدران دولية مغلقة وخطابات سياسية تعيد تعريف الإنسان كملف إنساني لا كصاحب حق في الأرض والمصير.

في قلب هذا المشهد، تتصدر المواجهة المركبة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، أحد أكثر خطوط التوتر تأثيراً في إعادة تشكيل خرائط الشرق الأوسط. وهي مواجهة لا تُختزل في بعدها الثنائي، بل في إعادة توزيع النفوذ داخل فراغ نظام عالمي يتآكل، حيث تتداخل حسابات الردع النووي وحروب الوكالة مع تراجع قدرة المؤسسات الدولية على ضبط التصعيد أو إنتاج تسويات مستقرة.

وفي هذا السياق، تتحول المنطقة إلى ساحة اختبار مفتوحة لمعادلات القوة، لا يحكمها منطق الحسم بقدر ما تحكمها إدارة الصراع طويل الأمد، حيث تُترك الأزمات معلقة بين الاحتواء والانفجار، في مشهد يعكس خللاً بنيوياً في النظام الدولي نفسه، لا مجرد اضطراب في سياساته.

أما الصراع في فلسطين، فيبقى الأكثر فجاجة في كشف هذا الخلل، إذ يتجاوز كونه نزاعاً سياسياً إلى كونه اختباراً صارخاً لحدود العدالة الدولية. فالمعايير التي تُفترض أنها تحكم السلوك الدولي تبدو خاضعة لانتقائية واضحة، حيث يُعاد تشكيل مفهوم القانون الإنساني وفق ميزان القوة لا وفق مبدأ الحماية المتساوية للإنسان.

وهكذا تبدو مؤسسات مثل مجلس الأمن ومحكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية محكومة بحدود السياسة أكثر من سلطان القانون، بما يعمّق الإحساس بانكشاف أخلاقي عالمي يتجاوز الجغرافيا والسياسة معاً.

في الخلفية الأوسع، يتشكل عالم متعدد الأقطاب، لكنه متعدد بلا توازن. فصعود قوى جديدة لا يقود بالضرورة إلى نظام أكثر عدالة، بل قد يعيد توزيع الفوضى بصيغ أكثر تعقيداً، في ظل تنافس أمريكي–صيني متصاعد، وعودة روسيا كفاعل صدامي، وتنامي أدوار قوى إقليمية تتحرك في مساحات رمادية بين التحالف والمواجهة.

ولم تعد أدوات الصراع عسكرية فقط، بل امتدت إلى فضاءات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والبيانات، حيث تُعاد صياغة مفاهيم القوة والهيمنة خارج الإطار التقليدي للدولة.

وفي السياق العربي، تتكثف التحديات في بيئة تتداخل فيها الجغرافيا السياسية مع هشاشة الداخل، حيث تستمر آثار الحروب والنزاعات في إعادة تشكيل الدولة والمجتمع، فيما تبقى التنمية رهينة الاستقرار، والاستقرار رهينة توازنات إقليمية ودولية لا تخضع بالكامل لإرادة الداخل.

أما الأردن، فيبقى حاضراً في قلب هذا المشهد بوصفه دولة تسعى إلى تثبيت التوازن في إقليم شديد الاضطراب، محافظاً على نهج سياسي يقوم على الواقعية الحذرة دون التفريط بالثوابت، وفي مقدمتها الموقف الراسخ من القضية الفلسطينية، والدور المتصل بالوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، بما تمثله من التزام ديني وتاريخي وسياسي لا يقبل المساومة.

وفي هذا المخاض، يسعى الأردن إلى تثبيت حضوره كصوت عقل ودبلوماسية متوازنة في محيط تتراجع فيه المساحات الوسطية، مع مواصلة مسارات التحديث الداخلي في الاقتصاد والإدارة والسياسة لبناء قدرة أكثر صلابة في مواجهة ضغوط إقليمية مستمرة وتحديات تنموية لا تحتمل التأجيل.

إن استدعاء الهجرة في هذا السياق لا يظل مجرد استعارة تاريخية، بل يتحول إلى سؤال تأسيسي جديد: هل ما يزال ممكناً إنتاج “هجرة” حضارية معاصرة، تنتقل من أنماط العجز إلى أنماط الفعل، أم أن النظام الدولي يكرّس إدارة الأزمات بدل تجاوزها؟

إن أخطر ما يواجه هذا العصر ليس الحرب وحدها، بل تطبيع الاضطراب ذاته، وتحول الاستثناء إلى قاعدة، وانزياح العدالة من كونها معياراً إنسانياً إلى كونها خياراً انتقائياً خاضعاً للمصلحة. وعند هذه النقطة، لا يعود السؤال عن القوة، بل عن المعنى: أي عالم يُعاد إنتاجه، وأي إنسان يُسمح له بالبقاء في مركز التاريخ؟

ويبقى العام الهجري الجديد، في النهاية، أكثر من بداية زمنية؛ إنه لحظة اختبار صامتة لفكرة الإنسان في عالمٍ يتغير بسرعة تفوق قدرة الجميع على التفسير، فضلاً عن السيطرة.

كل عام والأمتان العربية والإسلامية بخير، راجين أن يحمل العام الهجري الجديد مزيدًا من الأمن والاستقرار والطمأنينة لشعوب المنطقة والعالم.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم