سرايا - سجل كاتب مجهول عام 1871 يومياته عن العاصمة البريطانية فكتب يقول: "هائل هو إتلاف الأعصاب واستهلاك الدماغ في لندن. يعيش الإنسان على عجل، فيما يجري كل شيء حوله بسرعة عالية وباقتضاب، وسرعان ما يكتشف المتمهلون المملون أن ليس لديهم فرصة؛ فينجرون إلى إيقاع لم يعرفوه، كجواد بليد يجاور عربة سريعة".
من الواضح أننا نسير في الحياة الآن بإيقاع أسرع مما شعر به هذا الكاتب المجهول في الماضي، معتقدين أننا إن توقفنا قليلا فسوف يتجاوزنا الزمن. نعيش في حاضر باهت حل محله قلق دائم إزاء المستقبل. وعلى الرغم من اختراع الإنسان الحديث أجهزة مكنته من اختصار أوقات كثيرة في النقل والتوزيع والسفر والعمل وحتى الأعمال المنزلية، نجده مفتقرا أيما افتقار إلى أي براح في الوقت.
وهذا يُحيلنا إلى بعض التساؤلات الملحة: لماذا تحدث هذه المفارقة؟ لِمَ صارت أوقات الفراغ متخمة بالأشغال بدلا من الاسترخاء؟! وكيف نجحت وتيرة الحياة في خلق فجوة بين الإنسان وزمنه الطبيعي فغيرت إدراكه الذاتي للزمن؟
أمضت الكاتبة البريطانية جاي غريفيث ستة أشهر في صحبة شعب كارين في شمال تايلاند ضمن رحلة قررت خوض غمارها بعد فترة طويلة من الاكتئاب والضياع، كما ذكرت في كتابها "البرية: رحلة في جوهر الطبيعة". تروي غريفيث أنه خلال الأوقات التي قضتها مع هذه القبيلة لاحظت شيئا غريبا استرعى انتباهها، فقد كانت الوحيدة بينهم التي ترتدي ساعة. ومع ذلك، اكتنفها شعور بأنها الوحيدة التي لا تستطيع معرفة الوقت حقا. بدا أفراد القبيلة حساسين للتغيرات التي تطرأ على الضوء ودرجة الحرارة والأصوات، وهو ما منحهم فهما أعمق للوقت أكثر مما يمكن أن توفره الساعة.
عادة ما يأخذنا البحث عن إجابات حول طبيعة الزمن إلى تفسيرات عديدة لها علاقة بعلم الأعصاب والفيزياء من جهة، وبقدرتنا البشرية على إدراك الزمن الذي نعيشه من جهة أخرى. يقول كارلو روفيلي، عالم الفيزياء النظرية بجامعة إيكس مرسيليا بفرنسا في كتابه "نظام الزمن"، إن أرسطو كان أول من سأل نفسه "ما الزمن؟" وانتهى إلى أن الزمن هو قياس التغيّر.
وعليه، كان أرسطو مؤمنا بأنه لو لم يتغير شيء، فإن الزمن لا يمر، إلى أن جاء نيوتن ليفترض العكس تماما، ويجادل بضرورة وجود زمن مطلق وثابت، يتدفق بذاته، مستقلا عن الأشياء وتغيراتها. فالزمن من وجهة نظر نيوتن سيواصل المرور حتى لو ظلت كل الأشياء ساكنة بلا حراك، وتجمدت حتى حركات أرواحنا.
لكن هل زمن نيوتن هو الزمن الذي ندركه حقا؟ يرى أينشتاين أن الزمان والمكان اللذين توصل نيوتن إلى وجودهما بالحدس فيما وراء المادة الملموسة، موجودان فعلا، لكنهما ليسا مطلقين ولا مستقلين عما يحدث. وعليه، أصبح الزمن جزءا من هندسة معقدة منسوجة مع هندسة المكان في نسيج رباعي الأبعاد يُعرَف بـ"الزمكان". وجادل أينشتاين بأن مفاهيم الماضي والحاضر والمستقبل تعتمد على وجهة نظر كل مراقب، وليست حقائق ثابتة، وأصرّ على أن تدفق الزمن ليس سوى "وهم مستمر ومستعصٍ".
بعيدا عن الفيزياء، يشير الصحفي والكاتب الكندي كارل أونوريه في كتابه "في مديح البطء" إلى أن بعض الأعراف الفلسفية مثل البوذية، تتعامل مع الزمن باعتباره شيئا دوريا، يأتي ويذهب باستمرار، ويجدد نفسه مثل الهواء الذي نتنفسه، على خلاف النظرة الغربية التي ربما التصقت ببعض من الفيزياء، وترى أن الزمن خطي، سهم يعبر بلا هوادة من نقطة واضحة إلى نقطة أخرى واضحة.
ويثير ذلك تساؤلا آخر: ما طبيعة الزمن الذي تدركه أدمغتنا؟ للإجابة عن هذا السؤال، يشير عالما الأعصاب جورجي بوزاكي، ورودولفو ليناس في دراسة نُشرت بدورية "ساينس" بعنوان "المكان والزمان في الدماغ"، إلى أن الزمن الذي يدركه الدماغ ليس الزمن الذي تقيسه الساعات، فالساعات هي اختراع ثقافي صنعه الإنسان.
لكن ثمة خلايا عصبية تنشط بتتابع دقيق لحفظ "سجل زمني" يسمح للدماغ بترتيب الذكريات والأحداث في تسلسل منطقي. وتوضح الدراسة أن إحساسنا بالزمن يتأثر أيضا بعوامل شعورية ونفسية تؤثر على إدراكنا للوقت، فنراه يمر كلمح البصر حينما ننهمك في شيء ما يستحوذ على انتباهنا، بينما يبدو بطيئا عندما يقتلنا الملل.
تسليع الوقت
ربما ينزوي كل ما سبق لصالح بعد آخر للزمن لم يظهر إلا في القرون الأخيرة من حياة البشر، ألا وهو "تسليع الوقت". يحدث "التسليع" لأي شيء حينما يتحول إلى كيان يمكن امتلاكه وبيعه وتحديد قيمة نقدية له في السوق. يناقش الباحث النمساوي فولفغانغ فيلنر كيف حولت الرأسمالية جميع السلع والخدمات والمعرفة وحتى الأفراد وأوقاتهم إلى أشياء تُباع وتُشترى، وبالتالي تحولت الحياة بالكامل إلى أداة للإنتاج والاستهلاك.
لفهم سبب هذا اللهاث المستمر الذي يستشري كالمرض في عصرنا الحاضر، يشرح المؤرخ البريطاني توماس تومبسون في إحدى أهم دراساته في علم الاجتماع المنشورة بعنوان "الزمن، وانضباط العمل، والرأسمالية"، كيف روض المجتمع الرأسمالي الإنسان للتخلي عن زمنه الطبيعي وأخضعه لزمن الساعة. فقد كانت المجتمعات ما قبل الصناعية تقيم الزمن وفق ما يدعوه علماء الاجتماع اليوم بـ"الوقت الطبيعي". في تلك الحقبة الزمنية، كان الناس ينجزون أعمالهم عندما يرون "الوقت" مناسبا، لا عندما تخبرهم الساعة بذلك، فنرى الفلاح يعمل حينما ينضج محصوله، والحرفي يستمر في مهمته إلى أن ينتهي منها أو يمل أو يتعب غير مقيد بوقت معين.
هذه هي الفكرة ذاتها التي يؤكد عليها الفيزيائي الإيطالي "كارلو روفيلي" في كتابه "نظام الزمن" بقوله: "لآلاف السنين قبل اختراع الساعات، ظل سبيلنا الوحيد المعتاد لقياس الزمن هو تبدل النهار والليل. إيقاع النهار الذي يعقبه ليل ينظِّم أيضا حياة النباتات والحيوانات. الإيقاع هو المصدر الأولي لفكرتنا عن الزمن. في وعي البشرية الغابر، كان الزمن في المقام الأول هو ذلك العد التقليدي للأيام".
ومع ظهور الرأسمالية، يرى تومبسون أن العمل لم يعد يُقاس بانتهاء المهمة، بل بانتهاء الساعات المخصصة له في المصنع. وعليه تغير إدراكنا للزمن الذي تحول إلى شيء متجانس ومماثل بالنسبة للجميع، وبذلك أخضعته الرأسمالية للعقلنة، وأدخلته في سلسلة من العمليات الحسابية، بدأت بانضباط صارم شمل استخدام الساعات والأجراس لبدء ونهاية العمل.
يعتقد أن بداية ذلك النظام الصارم كانت في مدينة كولونيا الألمانية التي وثقت سجلاتها التاريخية وجود ساعة عمومية نُصبت في المدينة عام 1370، وبعدها بأربع سنوات سنت كولونيا قانونا يحدد بداية يوم العمل ونهايته، وتخصيص ساعة واحدة فقط لاستراحة الغداء. وبذلك تحول أهل كولونيا في غضون جيل واحد من الإحساس الطبيعي بالوقت، إلى حالة باتت معها الساعة تحدد كل شيء في حياتهم، بداية من أوقات عملهم، واستراحتهم، وصولا إلى مواعيد الرجوع إلى المنزل. كانت تلك بداية تحكم الآلة في الوقت الطبيعي.
لم يكن إقناع العمال الصناعيين الأوائل بالعيش وفقا لهذه الساعة المستحدثة، ونسيان إيقاعهم الطبيعي بالأمر الهين. لهذا ومن أجل ضمان استمرار العمل بالوتيرة ذاتها دون مواجهة غضب العمال أو تمردهم، بدأت المؤسسات الكبرى كالكنائس والمدارس في الترويج لدقة المواعيد وأهمية استغلال الوقت باعتبارهما واجبا مدنيا وفضيلة أخلاقية، وانتقدت البطء والتأخير باعتبارهما خطيئة كبرى.
وبحلول في عام 1891، حذّرت شركة إلكتريك سيغنال كلوك في "كتالوجها" من شرور التخلف عن مواكبة الإيقاع فأطلقت شعارها: "إن كان ثمة فضيلة واحدة ينبغي أن يحتضنها من ينشد النجاح، فهي الالتزام بالمواعيد. وإذا كان ثمة خطيئة يتعين عليه تفاديها، فهي التخلف عن ركب الزمن".
الزمن المستباح
في كتابه "الاغتراب والتسارع: نحو نظرية نقدية للحداثة المتأخرة"، يرى الفيلسوف وعالم الاجتماع الألماني هارتموت روزا، أن الوجه الأشد قمعا للتسارع الاجتماعي هو الافتقار المدهش للشعور بالزمن في المجتمعات الحديثة. بالمثل، يرى الفيلسوف الألماني من أصل كوري بيونغ تشول هان أن الشعارات الغارقة في الإيجابية المفرطة حول العمل والإنجاز أسقطت الإنسان المعاصر في غياهب الشعور بالاغتراب والاكتئاب بعدما أصبح غير قادر على تحقيق ما تدعو إليه هذه الشعارات، فبدأ في توبيخ ذاته لأنها لم تعد قادرة على اللحاق بالسرعة الجنونية لعجلة الإنتاج.
تأكيدا على الفكرة ذاتها، يؤكد الكاتب والفيلسوف البريطاني آلان دو بوتون في كتابه "قلق السعي إلى المكانة"، أن المزاج العام للمجتمعات الحديثة هو ما يحضنا على استثمار أنفسنا في نشاطات ما كان لأسلافنا أن يولوها أي تفكير، ومع ارتفاع سقف الطموحات الكبرى باطراد، يدور الإنسان مثل الآلة في عجلة الإنتاج إلى درجة أن أنشطة طبيعية مثل الراحة أو النوم تصبح علامة على ضعف الكفاءة، وقلة الجدارة في المجتمعات الحديثة.
لا عجب إذن أن شنت الرأسمالية هجوما لاذعا على النوم. في كتابه "الرأسمالية المتأخرة ونهاية النوم"، يؤكد الباحث الأمريكي والناقد الفني جوناثان كراري أن الرأسمالية تقلل من شأن النوم لما يسببه من خسائر فادحة لوقت الإنتاج والتداول والاستهلاك. فهدفها الرئيسي إجبارنا على مقايضة أوقاتنا بالمال في كل لحظات النهار والليل. أما النوم، فما يزال يطرح فكرة وجود حاجة إنسانية، وفسحة زمنية، لا يمكن إخضاعها بالكامل لمنطق السوق.
يبدأ كراري كتابه بإشارة إلى العصفور "أبيض التاج"، وهو نوع من الطيور التي تهاجر موسميا على امتداد الساحل الغربي لأمريكا الشمالية. يتمتع هذا النوع بقدرة استثنائية على البقاء مستيقظا لمدة تصل إلى سبعة أيام أثناء الهجرة. لهذا قررت وزارة الدفاع الأمريكية إنفاق مبالغ طائلة لدراسة النشاط الدماغي لهذا الكائن على أمل ابتكار مفهوم "الجندي الذي لا ينام"، الذي سيكون نواة أولى للعامل أو المستهلك الذي لا ينام.
ولأن النوم يظل العقبة الكبرى المتبقية أمام اكتمال أهداف الرأسمالية، فقد سعت لتخريبه بالتكنولوجيا وأضواء الشاشات الزرقاء، وأصوات الإشعارات الدائمة التي لا تهدأ. وهو ما أشارت إليه بعض الدراسات، وأشهرها دراسة ديفيد سامسون، عالم الأنثروبولوجيا التطورية في جامعة تورنتو بكندا الذي قدّر أن البشر يحتاجون إلى نحو 9.5 ساعات من النوم يوميا لتلبية احتياجاتهم البيولوجية الأساسية (يختلف عدد الساعات من دراسة لأخرى، لكن الهدف دائما هو نوم كاف). وقد أظهرت نتائج الدراسة أن متوسط عدد ساعات نوم البشر الفعلي تراجع إلى أقل من سبع ساعات، وهو رقم يحتاج إلى التوقف عنده قليلا والتأمل فيه لأنه أقل بكثير من عدد ساعات نوم الرئيسيات التي تتراوح ما بين 13 إلى 17 ساعة.
الأمر لا يتعلق فقط بعدد ساعات النوم وإنما بإحساسنا الخاص بتلك الساعات نفسها. في عام 2017، أجرى سامسون دراسة على نمط نوم 37 فردا من قبائل الهادزا في تنزانيا، والمفاجأة أن متوسط ساعات نومهم بلغ نحو 6.25 ساعة فقط، تخللتها في المنتصف فترات يقظة متكررة، ورغم ذلك أفاد 34 من المشاركين بأنهم تمتعوا بقدر كاف ومريح من النوم. ولعل وتيرة الحياة المتباطئة لهذه القبائل، والطريقة التي يقضون بها أيامهم وأمسياتهم الهادئة، ملتفين حول النار أثناء الطهي، وبعيدين كل البعد عن الشاشات، هي السبب في اختلاف شعورهم بساعات النوم مقارنة بسكان المدن الصاخبة.
العيش على حافة القلق
يناقش دو بوتون في كتابه "قلق السعي إلى المكانة" ظاهرة لاحظها المحامي والمؤرخ الفرنسي ألكسيس دو توكفيل أثناء رحلته إلى الولايات المتحدة في ثلاثينيات القرن التاسع عشر، وهي معاناة الأمريكيين -رغم رخائهم- كلما رأوا أن شخصا آخر يملك ما لا يملكون. ووصف توكفيل حينها هذه الظاهرة بكونها "داء غير متوقع يقرض أرواح مواطني الأرض الجديدة".
ويجادل دو بوتون أن هذه الظاهرة لا تزال حاضرة في مجتمعنا المعاصر، وأن الانخفاض الحاد في مستويات العوز الحقيقي لم يقلل إحساسنا المتواصل والمتصاعد بالخوف من العوز، وهو ما يظهر في المشاعر المبالغ فيها بأن لا شيء يكفي بالمرة.
يرى الفيلسوف والمفكر الفرنسي جان جاك روسو أن الثراء الفعلي لا يتطلب امتلاك أشياء كثيرة، بل يتطلب امتلاك ما يصبو إليه المرء. بمعنى أنه في كل مرة تهفو أرواحنا إلى شيء ما ونعجز عن أن نناله، يحاوطنا هاجس بالفقر يهدد صفاء سريرتنا مهما امتلكنا من موارد، بينما في كل مرة نشعر فيها بالإشباع والرضا بما بين أيدينا، سيتملكنا شعور بالثراء مهما قل ما نملكه فعليا.
ويؤكد روسو على وجود طريقتين لجعل إنسان أكثر ثراء: أن تمنحه المزيد من المال، أو أن تحد من رغباته. وقد حققت المجتمعات الحديثة الأمر الأول بصورة رائعة، غير أنها أشعلت باستمرار شهية الناس إلى المزيد. على النقيض، ربما لم يحظَ الإنسان القديم بممتلكات كثيرة، ورغم ذلك لم يشعر بنفس القدر من الشقاء الذي يشعر به الإنسان المعاصر.
وهذا يُحيلنا في حقيقة الأمر إلى السؤال الأهم: لو كانت الأشياء الثمينة عاجزة عن توليد السعادة المنشودة، لمَ ننجذب إليها بهذه القوة؟ يجيبنا دو بوتون في كتاب آخر له بعنوان "عزاءات الفلسفة" بأن الأشياء النفيسة قد تبدو حلولاً معقولة لاحتياجاتنا التي نعجز عن فهمها، إذ إن تلك الأشياء تُماهي ماديا ما نحتاج إليه نفسيا وعاطفيا.
مثلا بدلا من إعادة تنظيم ذهنك، ستجد نفسك منجذبا إلى شراء رفوف للكتب، أو حوز سترة من صوف الكشمير لتحل محل أحاديث الأصدقاء. ومع ذلك، لا ينبغي أن نلوم أنفسنا على تخبطات مشاعرنا. ففهمنا الضئيل لحاجاتنا يتأثر بما تحيطنا به الرأسمالية، وتقحمنا فيه دون وعي منا. فالرأسمالية لا تعكس الهرمية الطبيعية لحاجاتنا، بل تركز على الترف والممتلكات، ونادراً ما تتطرق إلى أمور مثل الصداقة والحرية والتفكير.
هل يمكننا استعادة الزمن المسروق؟
يناقش الصحفي والكاتب الكندي كارل أونوريه في كتابه "في مديح البطء" فكرة أن الحياة يسبغها شيء من السطحية حينما نكون على عجل، فنعجز عن إقامة اتصال حقيقي مع العالم أو مع الآخرين. ويستشهد في ذلك بميلان كونديرا الذي كتب ذات مرة يقول: "عندما تجري الأمور بسرعة كبيرة، لا يمكن لأحد أن يكون متأكدا من أي شيء، أي شيء على الإطلاق، ولا حتى من نفسه".
يرى أونوريه أن عصرنا الغارق في السرعة أفقدنا فن التمهل، لدرجة أن الأفعال البسيطة كالعناية بالحدائق، أو القراءة، أو المشي، أو ممارسة الحرف اليدوية، أو التأمل العميق، باتت أمورا تشبع الحنين المتزايد إلى زمن لم تكن فيه عبادة السرعة بهذه القوة.
في أحد فصول كتابه بعنوان "التأني العميق"، يشير بيونغ تشول هان إلى التأني بوصفه نسيجا رماديا دافئا في الداخل، تُنسَج عليه خيوط حريرية لامعة وملونة، وأن عملية التأمل العميقة هي ما تولد الدهشة. ويؤكد على أن نيتشه كان مدركا هو الآخر لفناء الحياة البشرية على يد هذا النشاط القاتل الذي اجتاح المجتمع بقوله: "عبر القضاء على لحظات الطمأنينة والصفاء، تتحوّل حضارتنا إلى بربرية من نوع جديد. إن الزمن النشط الذي لا يعرف استقرارا، وتغيب عنه لحظات التأمل، يفضي بعالمنا إلى كارثة محققة".
وللتحرر من حالة التسارع التي نرزح تحت وطأتها، يشير أونوريه إلى كتاب "فلسفة الزن وفن الحياكة"، للكاتبة برناديت ميرفي التي تبنت المغزل والصوف باعتبارهما جزءا من رد فعل أوسع على سطحية الحياة العصرية بقولها: "تعاني ثقافتنا عطشا عظيما للمعنى، وللأشياء التي تربطنا بالعالم وبالآخرين، وبالأشياء التي تغذي الروح حقا. والحياكة مجرد طريقة لمنح الوقت اللازم لتقدير الحياة، فأفضل ما في الحياكة بطؤها؛ إنها بطيئة جدا لدرجة تتيح لنا رؤية الجمال الكامن في كل غرزة صغيرة أثناء تشكيل الكنزة".
تمنحنا القراءة مزاجا مشابها، وهو ما أكده الفيلسوف الفرنسي بول فيريليو حينما قال: "القراءة تعني وقتا للتفكير، وتباطؤا يدمر الكفاءة الحركية للجموع". ومن جانبها، تصف ليلى الجهني في كتابها "في معنى أن أكبر" شعور الأمان والسكينة الذي تمنحه إياها الكتب: "دائما ما أشعر عندما أدخل أي مكتبة بأنها مكان آمن كي أحيا فيه طويلا، أو حتى أُنسى. لن أخسر أحدا أو شيئا، ولن يخسرني أحد أو شيء. سيكون كل شيء آمنا كما ينبغي لنعيم أن يكون".
هل تنفس الرأسمالية سمها في روحك؟ بات يغالبك شعور لا ينفك يهمس لقلبك بأن الأفعال البسيطة كالتحديق من النافذة نحو الأفق البعيد -على سبيل المثال – ليست إلا إهدارا الوقت؟ إحدى المفارقات العجيبة التي يناقشها آلان دو بوتون في كتابه "مسرات صغيرة" أن التحديق من النافذة لا يتمحور حول استكشاف ما يحدث بالخارج، بل هو تمرين لاستكشاف ما يقبع داخل عقولنا. وهو ما يؤكد عليه أفلاطون بتشبيه أفكارنا بالطيور التي تُرفرف داخل أقفاص أدمغتنا، ولكي تهتدي هذه الطيور إلى مستقر لها، يحتاج المرء إلى فترات من هدوء يخلو من أي هدف أو غاية والتحديق من النافذة يمنحنا فرصة كهذه، فنغدو أكثر قدرة على ملاحظة الأشياء بصورة أشد رقة وعذوبة.
يرى دو بوتون أيضا أن التطلع إلى السماء الممتدة بلا نهاية والنجوم الساطعة في عالم يموج بالظلام، يُشعرنا بأننا نتضاءل أمام عظمة ما نتأمله. يُذكّرنا هذا المشهد الرحب بأننا كائنات على درجة أصيلة من الهشاشة وسط هذا العالم المَهيب، وأن مشكلاتنا حين ننظر إليها من منظور أوسع، لا تبدو مخيفة كما خُيّل إلينا، وهو ما قد يرشدنا بعيدا عن القلق المفرط، فتسكن نفوسنا، وبطريقة ما تتشكّل بيننا وبين الكون آصرة عصية على الوصف.
بالمثل، تصف ربيكا سولنيت في كتابها "شهوة التجوال" المشي بأنه حالة يكون فيها العقل والجسد والعالم مترابطين، كما لو كانوا ثلاث شخصيات تمكنوا من التحدث مع بعضهم، إذ يُتيح لنا المشي أن نكون في أجسادنا وفي العالم من دون أن ننشغل بهما. كما أنه يمنحنا أوقاتاً متحررة من ضغوطات الحياة، فالمرور عبر منظر طبيعي يحفز تدفق الأفكار وانسيابها في عقولنا. وعن ذلك، يقول جان جاك روسو: "لا يمكنني التأمل إلا عندما أمشي. فما إن أتوقف حتى يتوقف تفكيري. عقلي يعمل فقط مع ساقيّ".
في نهاية المطاف، علينا أن ندرك جيداً أن البطء لا يعني بالضرورة فعل كل شيء بإيقاع السلحفاة، كما أنه ليس محاولة لإعادة الكوكب بأكمله إلى نوع من يوتوبيا العصر قبل الصناعي. حينما نتحدث عن استعادة الزمن المسروق، فإننا نشير إلى أشخاص مثلي ومثلك يتطلعون إلى عيش حياة أفضل في عالم وسريع الخطى. أو كما يقول أونوريه: "عليك أن تُسرع عندما يكون من المنطقي الإسراع، وأن تبطئ عندما يكون هناك داع للبطء. عليك أن تلتمس حياة ضمن ما يسميه الموسيقيون التمبوغوستو، أي الإيقاع الصحيح". الجزيرة
من الواضح أننا نسير في الحياة الآن بإيقاع أسرع مما شعر به هذا الكاتب المجهول في الماضي، معتقدين أننا إن توقفنا قليلا فسوف يتجاوزنا الزمن. نعيش في حاضر باهت حل محله قلق دائم إزاء المستقبل. وعلى الرغم من اختراع الإنسان الحديث أجهزة مكنته من اختصار أوقات كثيرة في النقل والتوزيع والسفر والعمل وحتى الأعمال المنزلية، نجده مفتقرا أيما افتقار إلى أي براح في الوقت.
وهذا يُحيلنا إلى بعض التساؤلات الملحة: لماذا تحدث هذه المفارقة؟ لِمَ صارت أوقات الفراغ متخمة بالأشغال بدلا من الاسترخاء؟! وكيف نجحت وتيرة الحياة في خلق فجوة بين الإنسان وزمنه الطبيعي فغيرت إدراكه الذاتي للزمن؟
أمضت الكاتبة البريطانية جاي غريفيث ستة أشهر في صحبة شعب كارين في شمال تايلاند ضمن رحلة قررت خوض غمارها بعد فترة طويلة من الاكتئاب والضياع، كما ذكرت في كتابها "البرية: رحلة في جوهر الطبيعة". تروي غريفيث أنه خلال الأوقات التي قضتها مع هذه القبيلة لاحظت شيئا غريبا استرعى انتباهها، فقد كانت الوحيدة بينهم التي ترتدي ساعة. ومع ذلك، اكتنفها شعور بأنها الوحيدة التي لا تستطيع معرفة الوقت حقا. بدا أفراد القبيلة حساسين للتغيرات التي تطرأ على الضوء ودرجة الحرارة والأصوات، وهو ما منحهم فهما أعمق للوقت أكثر مما يمكن أن توفره الساعة.
عادة ما يأخذنا البحث عن إجابات حول طبيعة الزمن إلى تفسيرات عديدة لها علاقة بعلم الأعصاب والفيزياء من جهة، وبقدرتنا البشرية على إدراك الزمن الذي نعيشه من جهة أخرى. يقول كارلو روفيلي، عالم الفيزياء النظرية بجامعة إيكس مرسيليا بفرنسا في كتابه "نظام الزمن"، إن أرسطو كان أول من سأل نفسه "ما الزمن؟" وانتهى إلى أن الزمن هو قياس التغيّر.
وعليه، كان أرسطو مؤمنا بأنه لو لم يتغير شيء، فإن الزمن لا يمر، إلى أن جاء نيوتن ليفترض العكس تماما، ويجادل بضرورة وجود زمن مطلق وثابت، يتدفق بذاته، مستقلا عن الأشياء وتغيراتها. فالزمن من وجهة نظر نيوتن سيواصل المرور حتى لو ظلت كل الأشياء ساكنة بلا حراك، وتجمدت حتى حركات أرواحنا.
لكن هل زمن نيوتن هو الزمن الذي ندركه حقا؟ يرى أينشتاين أن الزمان والمكان اللذين توصل نيوتن إلى وجودهما بالحدس فيما وراء المادة الملموسة، موجودان فعلا، لكنهما ليسا مطلقين ولا مستقلين عما يحدث. وعليه، أصبح الزمن جزءا من هندسة معقدة منسوجة مع هندسة المكان في نسيج رباعي الأبعاد يُعرَف بـ"الزمكان". وجادل أينشتاين بأن مفاهيم الماضي والحاضر والمستقبل تعتمد على وجهة نظر كل مراقب، وليست حقائق ثابتة، وأصرّ على أن تدفق الزمن ليس سوى "وهم مستمر ومستعصٍ".
بعيدا عن الفيزياء، يشير الصحفي والكاتب الكندي كارل أونوريه في كتابه "في مديح البطء" إلى أن بعض الأعراف الفلسفية مثل البوذية، تتعامل مع الزمن باعتباره شيئا دوريا، يأتي ويذهب باستمرار، ويجدد نفسه مثل الهواء الذي نتنفسه، على خلاف النظرة الغربية التي ربما التصقت ببعض من الفيزياء، وترى أن الزمن خطي، سهم يعبر بلا هوادة من نقطة واضحة إلى نقطة أخرى واضحة.
ويثير ذلك تساؤلا آخر: ما طبيعة الزمن الذي تدركه أدمغتنا؟ للإجابة عن هذا السؤال، يشير عالما الأعصاب جورجي بوزاكي، ورودولفو ليناس في دراسة نُشرت بدورية "ساينس" بعنوان "المكان والزمان في الدماغ"، إلى أن الزمن الذي يدركه الدماغ ليس الزمن الذي تقيسه الساعات، فالساعات هي اختراع ثقافي صنعه الإنسان.
لكن ثمة خلايا عصبية تنشط بتتابع دقيق لحفظ "سجل زمني" يسمح للدماغ بترتيب الذكريات والأحداث في تسلسل منطقي. وتوضح الدراسة أن إحساسنا بالزمن يتأثر أيضا بعوامل شعورية ونفسية تؤثر على إدراكنا للوقت، فنراه يمر كلمح البصر حينما ننهمك في شيء ما يستحوذ على انتباهنا، بينما يبدو بطيئا عندما يقتلنا الملل.
تسليع الوقت
ربما ينزوي كل ما سبق لصالح بعد آخر للزمن لم يظهر إلا في القرون الأخيرة من حياة البشر، ألا وهو "تسليع الوقت". يحدث "التسليع" لأي شيء حينما يتحول إلى كيان يمكن امتلاكه وبيعه وتحديد قيمة نقدية له في السوق. يناقش الباحث النمساوي فولفغانغ فيلنر كيف حولت الرأسمالية جميع السلع والخدمات والمعرفة وحتى الأفراد وأوقاتهم إلى أشياء تُباع وتُشترى، وبالتالي تحولت الحياة بالكامل إلى أداة للإنتاج والاستهلاك.
لفهم سبب هذا اللهاث المستمر الذي يستشري كالمرض في عصرنا الحاضر، يشرح المؤرخ البريطاني توماس تومبسون في إحدى أهم دراساته في علم الاجتماع المنشورة بعنوان "الزمن، وانضباط العمل، والرأسمالية"، كيف روض المجتمع الرأسمالي الإنسان للتخلي عن زمنه الطبيعي وأخضعه لزمن الساعة. فقد كانت المجتمعات ما قبل الصناعية تقيم الزمن وفق ما يدعوه علماء الاجتماع اليوم بـ"الوقت الطبيعي". في تلك الحقبة الزمنية، كان الناس ينجزون أعمالهم عندما يرون "الوقت" مناسبا، لا عندما تخبرهم الساعة بذلك، فنرى الفلاح يعمل حينما ينضج محصوله، والحرفي يستمر في مهمته إلى أن ينتهي منها أو يمل أو يتعب غير مقيد بوقت معين.
هذه هي الفكرة ذاتها التي يؤكد عليها الفيزيائي الإيطالي "كارلو روفيلي" في كتابه "نظام الزمن" بقوله: "لآلاف السنين قبل اختراع الساعات، ظل سبيلنا الوحيد المعتاد لقياس الزمن هو تبدل النهار والليل. إيقاع النهار الذي يعقبه ليل ينظِّم أيضا حياة النباتات والحيوانات. الإيقاع هو المصدر الأولي لفكرتنا عن الزمن. في وعي البشرية الغابر، كان الزمن في المقام الأول هو ذلك العد التقليدي للأيام".
ومع ظهور الرأسمالية، يرى تومبسون أن العمل لم يعد يُقاس بانتهاء المهمة، بل بانتهاء الساعات المخصصة له في المصنع. وعليه تغير إدراكنا للزمن الذي تحول إلى شيء متجانس ومماثل بالنسبة للجميع، وبذلك أخضعته الرأسمالية للعقلنة، وأدخلته في سلسلة من العمليات الحسابية، بدأت بانضباط صارم شمل استخدام الساعات والأجراس لبدء ونهاية العمل.
يعتقد أن بداية ذلك النظام الصارم كانت في مدينة كولونيا الألمانية التي وثقت سجلاتها التاريخية وجود ساعة عمومية نُصبت في المدينة عام 1370، وبعدها بأربع سنوات سنت كولونيا قانونا يحدد بداية يوم العمل ونهايته، وتخصيص ساعة واحدة فقط لاستراحة الغداء. وبذلك تحول أهل كولونيا في غضون جيل واحد من الإحساس الطبيعي بالوقت، إلى حالة باتت معها الساعة تحدد كل شيء في حياتهم، بداية من أوقات عملهم، واستراحتهم، وصولا إلى مواعيد الرجوع إلى المنزل. كانت تلك بداية تحكم الآلة في الوقت الطبيعي.
لم يكن إقناع العمال الصناعيين الأوائل بالعيش وفقا لهذه الساعة المستحدثة، ونسيان إيقاعهم الطبيعي بالأمر الهين. لهذا ومن أجل ضمان استمرار العمل بالوتيرة ذاتها دون مواجهة غضب العمال أو تمردهم، بدأت المؤسسات الكبرى كالكنائس والمدارس في الترويج لدقة المواعيد وأهمية استغلال الوقت باعتبارهما واجبا مدنيا وفضيلة أخلاقية، وانتقدت البطء والتأخير باعتبارهما خطيئة كبرى.
وبحلول في عام 1891، حذّرت شركة إلكتريك سيغنال كلوك في "كتالوجها" من شرور التخلف عن مواكبة الإيقاع فأطلقت شعارها: "إن كان ثمة فضيلة واحدة ينبغي أن يحتضنها من ينشد النجاح، فهي الالتزام بالمواعيد. وإذا كان ثمة خطيئة يتعين عليه تفاديها، فهي التخلف عن ركب الزمن".
الزمن المستباح
في كتابه "الاغتراب والتسارع: نحو نظرية نقدية للحداثة المتأخرة"، يرى الفيلسوف وعالم الاجتماع الألماني هارتموت روزا، أن الوجه الأشد قمعا للتسارع الاجتماعي هو الافتقار المدهش للشعور بالزمن في المجتمعات الحديثة. بالمثل، يرى الفيلسوف الألماني من أصل كوري بيونغ تشول هان أن الشعارات الغارقة في الإيجابية المفرطة حول العمل والإنجاز أسقطت الإنسان المعاصر في غياهب الشعور بالاغتراب والاكتئاب بعدما أصبح غير قادر على تحقيق ما تدعو إليه هذه الشعارات، فبدأ في توبيخ ذاته لأنها لم تعد قادرة على اللحاق بالسرعة الجنونية لعجلة الإنتاج.
تأكيدا على الفكرة ذاتها، يؤكد الكاتب والفيلسوف البريطاني آلان دو بوتون في كتابه "قلق السعي إلى المكانة"، أن المزاج العام للمجتمعات الحديثة هو ما يحضنا على استثمار أنفسنا في نشاطات ما كان لأسلافنا أن يولوها أي تفكير، ومع ارتفاع سقف الطموحات الكبرى باطراد، يدور الإنسان مثل الآلة في عجلة الإنتاج إلى درجة أن أنشطة طبيعية مثل الراحة أو النوم تصبح علامة على ضعف الكفاءة، وقلة الجدارة في المجتمعات الحديثة.
لا عجب إذن أن شنت الرأسمالية هجوما لاذعا على النوم. في كتابه "الرأسمالية المتأخرة ونهاية النوم"، يؤكد الباحث الأمريكي والناقد الفني جوناثان كراري أن الرأسمالية تقلل من شأن النوم لما يسببه من خسائر فادحة لوقت الإنتاج والتداول والاستهلاك. فهدفها الرئيسي إجبارنا على مقايضة أوقاتنا بالمال في كل لحظات النهار والليل. أما النوم، فما يزال يطرح فكرة وجود حاجة إنسانية، وفسحة زمنية، لا يمكن إخضاعها بالكامل لمنطق السوق.
يبدأ كراري كتابه بإشارة إلى العصفور "أبيض التاج"، وهو نوع من الطيور التي تهاجر موسميا على امتداد الساحل الغربي لأمريكا الشمالية. يتمتع هذا النوع بقدرة استثنائية على البقاء مستيقظا لمدة تصل إلى سبعة أيام أثناء الهجرة. لهذا قررت وزارة الدفاع الأمريكية إنفاق مبالغ طائلة لدراسة النشاط الدماغي لهذا الكائن على أمل ابتكار مفهوم "الجندي الذي لا ينام"، الذي سيكون نواة أولى للعامل أو المستهلك الذي لا ينام.
ولأن النوم يظل العقبة الكبرى المتبقية أمام اكتمال أهداف الرأسمالية، فقد سعت لتخريبه بالتكنولوجيا وأضواء الشاشات الزرقاء، وأصوات الإشعارات الدائمة التي لا تهدأ. وهو ما أشارت إليه بعض الدراسات، وأشهرها دراسة ديفيد سامسون، عالم الأنثروبولوجيا التطورية في جامعة تورنتو بكندا الذي قدّر أن البشر يحتاجون إلى نحو 9.5 ساعات من النوم يوميا لتلبية احتياجاتهم البيولوجية الأساسية (يختلف عدد الساعات من دراسة لأخرى، لكن الهدف دائما هو نوم كاف). وقد أظهرت نتائج الدراسة أن متوسط عدد ساعات نوم البشر الفعلي تراجع إلى أقل من سبع ساعات، وهو رقم يحتاج إلى التوقف عنده قليلا والتأمل فيه لأنه أقل بكثير من عدد ساعات نوم الرئيسيات التي تتراوح ما بين 13 إلى 17 ساعة.
الأمر لا يتعلق فقط بعدد ساعات النوم وإنما بإحساسنا الخاص بتلك الساعات نفسها. في عام 2017، أجرى سامسون دراسة على نمط نوم 37 فردا من قبائل الهادزا في تنزانيا، والمفاجأة أن متوسط ساعات نومهم بلغ نحو 6.25 ساعة فقط، تخللتها في المنتصف فترات يقظة متكررة، ورغم ذلك أفاد 34 من المشاركين بأنهم تمتعوا بقدر كاف ومريح من النوم. ولعل وتيرة الحياة المتباطئة لهذه القبائل، والطريقة التي يقضون بها أيامهم وأمسياتهم الهادئة، ملتفين حول النار أثناء الطهي، وبعيدين كل البعد عن الشاشات، هي السبب في اختلاف شعورهم بساعات النوم مقارنة بسكان المدن الصاخبة.
العيش على حافة القلق
يناقش دو بوتون في كتابه "قلق السعي إلى المكانة" ظاهرة لاحظها المحامي والمؤرخ الفرنسي ألكسيس دو توكفيل أثناء رحلته إلى الولايات المتحدة في ثلاثينيات القرن التاسع عشر، وهي معاناة الأمريكيين -رغم رخائهم- كلما رأوا أن شخصا آخر يملك ما لا يملكون. ووصف توكفيل حينها هذه الظاهرة بكونها "داء غير متوقع يقرض أرواح مواطني الأرض الجديدة".
ويجادل دو بوتون أن هذه الظاهرة لا تزال حاضرة في مجتمعنا المعاصر، وأن الانخفاض الحاد في مستويات العوز الحقيقي لم يقلل إحساسنا المتواصل والمتصاعد بالخوف من العوز، وهو ما يظهر في المشاعر المبالغ فيها بأن لا شيء يكفي بالمرة.
يرى الفيلسوف والمفكر الفرنسي جان جاك روسو أن الثراء الفعلي لا يتطلب امتلاك أشياء كثيرة، بل يتطلب امتلاك ما يصبو إليه المرء. بمعنى أنه في كل مرة تهفو أرواحنا إلى شيء ما ونعجز عن أن نناله، يحاوطنا هاجس بالفقر يهدد صفاء سريرتنا مهما امتلكنا من موارد، بينما في كل مرة نشعر فيها بالإشباع والرضا بما بين أيدينا، سيتملكنا شعور بالثراء مهما قل ما نملكه فعليا.
ويؤكد روسو على وجود طريقتين لجعل إنسان أكثر ثراء: أن تمنحه المزيد من المال، أو أن تحد من رغباته. وقد حققت المجتمعات الحديثة الأمر الأول بصورة رائعة، غير أنها أشعلت باستمرار شهية الناس إلى المزيد. على النقيض، ربما لم يحظَ الإنسان القديم بممتلكات كثيرة، ورغم ذلك لم يشعر بنفس القدر من الشقاء الذي يشعر به الإنسان المعاصر.
وهذا يُحيلنا في حقيقة الأمر إلى السؤال الأهم: لو كانت الأشياء الثمينة عاجزة عن توليد السعادة المنشودة، لمَ ننجذب إليها بهذه القوة؟ يجيبنا دو بوتون في كتاب آخر له بعنوان "عزاءات الفلسفة" بأن الأشياء النفيسة قد تبدو حلولاً معقولة لاحتياجاتنا التي نعجز عن فهمها، إذ إن تلك الأشياء تُماهي ماديا ما نحتاج إليه نفسيا وعاطفيا.
مثلا بدلا من إعادة تنظيم ذهنك، ستجد نفسك منجذبا إلى شراء رفوف للكتب، أو حوز سترة من صوف الكشمير لتحل محل أحاديث الأصدقاء. ومع ذلك، لا ينبغي أن نلوم أنفسنا على تخبطات مشاعرنا. ففهمنا الضئيل لحاجاتنا يتأثر بما تحيطنا به الرأسمالية، وتقحمنا فيه دون وعي منا. فالرأسمالية لا تعكس الهرمية الطبيعية لحاجاتنا، بل تركز على الترف والممتلكات، ونادراً ما تتطرق إلى أمور مثل الصداقة والحرية والتفكير.
هل يمكننا استعادة الزمن المسروق؟
يناقش الصحفي والكاتب الكندي كارل أونوريه في كتابه "في مديح البطء" فكرة أن الحياة يسبغها شيء من السطحية حينما نكون على عجل، فنعجز عن إقامة اتصال حقيقي مع العالم أو مع الآخرين. ويستشهد في ذلك بميلان كونديرا الذي كتب ذات مرة يقول: "عندما تجري الأمور بسرعة كبيرة، لا يمكن لأحد أن يكون متأكدا من أي شيء، أي شيء على الإطلاق، ولا حتى من نفسه".
يرى أونوريه أن عصرنا الغارق في السرعة أفقدنا فن التمهل، لدرجة أن الأفعال البسيطة كالعناية بالحدائق، أو القراءة، أو المشي، أو ممارسة الحرف اليدوية، أو التأمل العميق، باتت أمورا تشبع الحنين المتزايد إلى زمن لم تكن فيه عبادة السرعة بهذه القوة.
في أحد فصول كتابه بعنوان "التأني العميق"، يشير بيونغ تشول هان إلى التأني بوصفه نسيجا رماديا دافئا في الداخل، تُنسَج عليه خيوط حريرية لامعة وملونة، وأن عملية التأمل العميقة هي ما تولد الدهشة. ويؤكد على أن نيتشه كان مدركا هو الآخر لفناء الحياة البشرية على يد هذا النشاط القاتل الذي اجتاح المجتمع بقوله: "عبر القضاء على لحظات الطمأنينة والصفاء، تتحوّل حضارتنا إلى بربرية من نوع جديد. إن الزمن النشط الذي لا يعرف استقرارا، وتغيب عنه لحظات التأمل، يفضي بعالمنا إلى كارثة محققة".
وللتحرر من حالة التسارع التي نرزح تحت وطأتها، يشير أونوريه إلى كتاب "فلسفة الزن وفن الحياكة"، للكاتبة برناديت ميرفي التي تبنت المغزل والصوف باعتبارهما جزءا من رد فعل أوسع على سطحية الحياة العصرية بقولها: "تعاني ثقافتنا عطشا عظيما للمعنى، وللأشياء التي تربطنا بالعالم وبالآخرين، وبالأشياء التي تغذي الروح حقا. والحياكة مجرد طريقة لمنح الوقت اللازم لتقدير الحياة، فأفضل ما في الحياكة بطؤها؛ إنها بطيئة جدا لدرجة تتيح لنا رؤية الجمال الكامن في كل غرزة صغيرة أثناء تشكيل الكنزة".
تمنحنا القراءة مزاجا مشابها، وهو ما أكده الفيلسوف الفرنسي بول فيريليو حينما قال: "القراءة تعني وقتا للتفكير، وتباطؤا يدمر الكفاءة الحركية للجموع". ومن جانبها، تصف ليلى الجهني في كتابها "في معنى أن أكبر" شعور الأمان والسكينة الذي تمنحه إياها الكتب: "دائما ما أشعر عندما أدخل أي مكتبة بأنها مكان آمن كي أحيا فيه طويلا، أو حتى أُنسى. لن أخسر أحدا أو شيئا، ولن يخسرني أحد أو شيء. سيكون كل شيء آمنا كما ينبغي لنعيم أن يكون".
هل تنفس الرأسمالية سمها في روحك؟ بات يغالبك شعور لا ينفك يهمس لقلبك بأن الأفعال البسيطة كالتحديق من النافذة نحو الأفق البعيد -على سبيل المثال – ليست إلا إهدارا الوقت؟ إحدى المفارقات العجيبة التي يناقشها آلان دو بوتون في كتابه "مسرات صغيرة" أن التحديق من النافذة لا يتمحور حول استكشاف ما يحدث بالخارج، بل هو تمرين لاستكشاف ما يقبع داخل عقولنا. وهو ما يؤكد عليه أفلاطون بتشبيه أفكارنا بالطيور التي تُرفرف داخل أقفاص أدمغتنا، ولكي تهتدي هذه الطيور إلى مستقر لها، يحتاج المرء إلى فترات من هدوء يخلو من أي هدف أو غاية والتحديق من النافذة يمنحنا فرصة كهذه، فنغدو أكثر قدرة على ملاحظة الأشياء بصورة أشد رقة وعذوبة.
يرى دو بوتون أيضا أن التطلع إلى السماء الممتدة بلا نهاية والنجوم الساطعة في عالم يموج بالظلام، يُشعرنا بأننا نتضاءل أمام عظمة ما نتأمله. يُذكّرنا هذا المشهد الرحب بأننا كائنات على درجة أصيلة من الهشاشة وسط هذا العالم المَهيب، وأن مشكلاتنا حين ننظر إليها من منظور أوسع، لا تبدو مخيفة كما خُيّل إلينا، وهو ما قد يرشدنا بعيدا عن القلق المفرط، فتسكن نفوسنا، وبطريقة ما تتشكّل بيننا وبين الكون آصرة عصية على الوصف.
بالمثل، تصف ربيكا سولنيت في كتابها "شهوة التجوال" المشي بأنه حالة يكون فيها العقل والجسد والعالم مترابطين، كما لو كانوا ثلاث شخصيات تمكنوا من التحدث مع بعضهم، إذ يُتيح لنا المشي أن نكون في أجسادنا وفي العالم من دون أن ننشغل بهما. كما أنه يمنحنا أوقاتاً متحررة من ضغوطات الحياة، فالمرور عبر منظر طبيعي يحفز تدفق الأفكار وانسيابها في عقولنا. وعن ذلك، يقول جان جاك روسو: "لا يمكنني التأمل إلا عندما أمشي. فما إن أتوقف حتى يتوقف تفكيري. عقلي يعمل فقط مع ساقيّ".
في نهاية المطاف، علينا أن ندرك جيداً أن البطء لا يعني بالضرورة فعل كل شيء بإيقاع السلحفاة، كما أنه ليس محاولة لإعادة الكوكب بأكمله إلى نوع من يوتوبيا العصر قبل الصناعي. حينما نتحدث عن استعادة الزمن المسروق، فإننا نشير إلى أشخاص مثلي ومثلك يتطلعون إلى عيش حياة أفضل في عالم وسريع الخطى. أو كما يقول أونوريه: "عليك أن تُسرع عندما يكون من المنطقي الإسراع، وأن تبطئ عندما يكون هناك داع للبطء. عليك أن تلتمس حياة ضمن ما يسميه الموسيقيون التمبوغوستو، أي الإيقاع الصحيح". الجزيرة
شارك المقال:
الرجاء الانتظار ...
التعليقات