عبيدات يكتب: أزمة الترقيات بين فلسفة البقاء وثقافة الإنجاز

منذ 2 يوم
المشاهدات : 19818
 عبيدات يكتب: أزمة الترقيات بين فلسفة البقاء وثقافة الإنجاز
م. صلاح طه عبيدات

م. صلاح طه عبيدات

لا تُقاس قيمة الموظف العامل في المجتمعات التي تسعى إلى التقدم، بعدد السنوات التي أمضاها في موقعه، بل بحجم الأثر الذي تركه خلال تلك السنوات. فالزمن، في جوهره، ليس إنجازًا بحد ذاته، وإنما وعاء قد يمتلئ بالإبداع والعطاء، وقد يبقى فارغًا إلا من انتظار المكافآت والاستحقاقات.
ومع ذلك، ما زالت العديد من المؤسسات العربية أسيرة فلسفة إدارية قديمة تجعل من مرور الوقت سلّمًا للترقي، ومن الأقدمية جواز عبور تلقائي نحو المناصب والمواقع القيادية. وهنا يبرز سؤال جوهري: هل تكافئ المؤسسات سنوات الخدمة أم قيمة الإنجاز؟ وهل المطلوب من الموظف أن يبدع ويبتكر، أم يكفيه أن ينتظر حتى تدور عقارب الساعة لصالحه؟
لقد تحولت الترقية في كثير من الأحيان من اعتراف بالكفاءة إلى استحقاق زمني، ومن وسيلة لتحفيز الإنتاج إلى مكافأة على البقاء. وأصبح المشهد مألوفًا؛ موجات من التهاني والتبريكات تجتاح الفضاء الرقمي كلما صدر قرار ترفيع أو تعيين، وكأن المؤسسة حققت اختراقًا استراتيجيًا أو إنجازًا استثنائيًا. غير أن الحقيقة غالبًا ما تكون أكثر بساطة؛ فالأمر لا يتجاوز استكمال دورة زمنية محددة فرضتها الأنظمة والتعليمات.
إن الخلل لا يكمن في الترقية ذاتها، فهي حق مشروع حين تستند إلى الجدارة، بل في تحويلها إلى نتيجة حتمية للزمن بغض النظر عن حجم العطاء أو مستوى الأداء. فحين يدرك الموظف أن مستقبله الوظيفي مضمون بمجرد الانتظار، تتراجع لديه الحاجة إلى المبادرة، ويتحول الإبداع من ضرورة إلى رفاهية، وتصبح السلامة الوظيفية أهم من الجرأة في التغيير.
ومن الناحية الفلسفية، فإن هذه الثقافة تزرع في المؤسسات مفهومًا خطيرًا مفاده أن "البقاء" يعادل "الإنجاز". وهنا تبدأ الطاقة الإنسانية بالتآكل. فالموظف المتميز يرى جهده الاستثنائي يقف في الطابور ذاته مع الأداء التقليدي، فيتساءل: لماذا أبذل أكثر إذا كانت النتيجة واحدة؟ ومع مرور الوقت، تنتصر الرتابة على الطموح، ويغدو النظام الإداري مصنعًا لإنتاج النسخ المتشابهة بدلًا من صناعة القادة والمبدعين.
ولعل أخطر ما في هذه الظاهرة أنها لا تؤثر في الأفراد فقط، بل تمتد إلى بنية المؤسسة بأكملها. فالمناصب القيادية قد تنتقل إلى أصحاب الأقدمية لا إلى أصحاب الرؤية، وإلى من أتقنوا البقاء لا إلى من أتقنوا صناعة المستقبل. وعندها تتضخم البيروقراطية، وتتراجع القدرة على التجديد، وتتحول المؤسسة إلى كيان يستهلك موارده في إدارة الواقع بدلًا من تغييره.
أما على المستوى الاجتماعي، فقد أنتجت هذه الثقافة نوعًا من الاحتفاء بالمكانة بدلًا من الاحتفاء بالأثر. فالمجتمع بات ينظر إلى المنصب بوصفه رمزًا للوجاهة أكثر من كونه مسؤولية. وأصبح الكرسي هدفًا في ذاته، لا وسيلة لخدمة الناس وتحقيق التنمية. وهكذا تنشأ فجوة بين الصورة والواقع؛ صورة براقة في منصات التواصل الاجتماعي، وواقع مؤسسي يعاني من التباطؤ وضعف الإنتاجية.
وعندما ننظر إلى التجارب العالمية الناجحة، نجد أن المؤسسات الأكثر قدرة على المنافسة لا تسأل موظفيها: كم سنة أمضيتم هنا؟ بل تسألهم: ماذا أضفتم؟ وما القيمة التي صنعتموها؟ فالعالم الحديث لم يعد يديره من ينتظر دوره، بل من يصنع دوره. ولم تعد القيادة مكافأة على العمر الوظيفي، بل مسؤولية تُمنح لمن يمتلك الكفاءة والرؤية والقدرة على الإنجاز.
إن الأمم التي تتقدم لا تبني أنظمتها على احترام الزمن المجرد، بل على احترام القيمة المضافة التي يصنعها الإنسان. فالزمن مورد متاح للجميع، أما الإبداع فميزة نادرة. والسنوات قد تمر على الجميع بالسرعة ذاتها، لكن الفارق الحقيقي يكمن في ما يُنجز خلالها.
إن الإصلاح الإداري الحقيقي يبدأ عندما تتحول الترقية من حق زمني إلى استحقاق مهني، وعندما تصبح مؤشرات الأداء والإنجاز والابتكار هي المعيار الحاكم للحكم على الكفاءات. كما يبدأ عندما ندرك أن الشباب ليسوا مشروع قادة للمستقبل فحسب، بل قد يكونون قادة للحاضر إذا امتلكوا المؤهلات اللازمة.
ختامًا، ليست المشكلة في العمر الوظيفي، بل في تحويله إلى معيار وحيد للتميز. فالأمم الحية لا تقيس قيمة الإنسان بعدد الأيام التي قضاها في المؤسسة، وإنما بعدد الأفكار التي أضافها، والمشكلات التي حلها، والقيمة التي تركها وراءه. وعندما يصبح السؤال السائد في مؤسساتنا: "ماذا أنجزت؟" بدلًا من "كم سنة خدمت؟"، عندها فقط نكون قد بدأنا رحلة الانتقال من ثقافة البقاء إلى ثقافة الأثر، ومن إدارة الزمن إلى صناعة المستقبل.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم