الخوالدة يكتب: الثورة والعرش والجيش: ثلاثية المجد الوطني في بناء الدولة الأردنية الحديثة

منذ 4 أيام
المشاهدات : 20893
 الخوالدة يكتب: الثورة والعرش والجيش: ثلاثية المجد الوطني في بناء الدولة الأردنية الحديثة
د. زيد إحسان الخوالدة

د. زيد إحسان الخوالدة

ثمة مشهد يتكرر في الأردن منذ عقود طويلة، لكنه لا يفقد معناه ولا دفئه. فحين يزور جلالة الملك عبدالله الثاني مدينة أو قرية أو مضرباً من مضارب البادية، يسارع الناس إلى استقباله بعبارات المحبة والوفاء، وكأنهم يستقبلون ضيفاً عزيزاً حل بين أهله.

غير أن خصوصية التجربة الأردنية تكمن في أن الهاشميين لم يكونوا يوماً غرباء عن الناس، ولم تكن العلاقة بينهم وبين الأردنيين علاقة حاكم ومحكوم بقدر ما كانت علاقة تاريخ مشترك ورسالة واحدة ومسيرة ممتدة. ولعل أجمل ما يمكن أن يقال في هذا المقام أن الأردنيين، أينما حل الهاشميون بينهم، يشعرون أنهم هم الضيوف على أصحاب الدار؛ لأن الهاشميين في وجدان الأمة لم يكونوا مجرد أسرة حكم، بل حملة رسالة وقادة مشروع نهضوي ارتبط بتاريخ العرب وقضاياهم وآمالهم.

ومن هنا تكتسب مناسبات الثورة العربية الكبرى وعيد الجلوس الملكي ويوم الجيش العربي الأردني معناها العميق، فهي ليست مجرد محطات في رزنامة الوطن، بل فصول متصلة من قصة بدأت برسالة نهضوية، وتحولت إلى مشروع دولة، وترسخت بمؤسسات صنعت الاستقرار وحمت السيادة وحفظت الهوية.

لقد جاءت الثورة العربية الكبرى عام 1916 في مرحلة شعر فيها العرب بالحاجة إلى استعادة كرامتهم وهويتهم ودورهم في صناعة مستقبلهم، بعد سنوات من التهميش وسياسات التتريك والقمع التي رافقت السنوات الأخيرة من الحكم العثماني. وقد شهدت بلاد الشام عموماً، والأردن على وجه الخصوص، حركات احتجاج وثورات محلية عبرت عن رفض الظلم والجباية والتجنيد الإجباري والتهميش السياسي، في تعبير واضح عن توق العرب إلى الحرية والعدالة والكرامة.

ولذلك لم تكن الثورة العربية الكبرى مجرد مواجهة عسكرية، بل كانت ثورة وعي وإرادة ونهضة. فقد أعادت الاعتبار للإنسان العربي، ورسخت الإيمان بقدرته على صناعة مستقبله، وأطلقت مشروعاً سياسياً وحضارياً ما تزال آثاره ممتدة في الدولة الأردنية الحديثة.

ومن رحم تلك الثورة ولدت النواة الأولى للجيش العربي، حين حمل رجال الثورة راية التحرر والدفاع عن الأرض والإنسان. ولهذا فإن يوم الجيش العربي الأردني ليس مناسبة للاحتفاء بمؤسسة عسكرية فحسب، بل استذكار لجذور وطنية وقومية ضاربة في عمق الثورة العربية الكبرى ورسالتها.

وقد ظل الجيش العربي عبر تاريخه مدرسة للوطنية والانضباط والتضحية، وحارساً للاستقلال والسيادة، وسنداً للدولة في مواجهة التحديات. كما تجاوز دوره العسكري إلى أدوار إنسانية نبيلة في الإغاثة والطب وحفظ السلام، حتى أصبح اسمه مقترناً بصورة الأردن المشرقة في المحافل الدولية.

أما عيد الجلوس الملكي، فإنه يمثل الامتداد الطبيعي والشرعي للمشروع الذي انطلقت به الثورة العربية الكبرى. فالدولة الأردنية الحديثة لم تكن مشروعاً منفصلاً عن تلك النهضة، بل جاءت استمراراً لها وتجسيداً عملياً لأهدافها في بناء دولة المؤسسات والقانون والاستقرار.

لقد حملت القيادة الهاشمية أمانة هذا المشروع جيلاً بعد جيل، وحافظت على هوية الدولة ورسالتها الاعتدالية والإنسانية. وفي عهد جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، واجه الأردن تحديات إقليمية ودولية غير مسبوقة، من حروب ونزاعات وأزمات اقتصادية وتحولات سياسية عاصفة، ومع ذلك بقي الوطن واحة أمن واستقرار، وحافظ على وحدة مؤسساته وتماسك مجتمعه.

وقد أثبتت التجربة الأردنية أن الحكمة في إدارة الأزمات لا تقل أهمية عن القوة في مواجهتها، وأن الدول الراسخة هي تلك التي تستند إلى شرعية تاريخية، ومؤسسات قوية، وقيادة تمتلك الرؤية والقدرة على التوازن بين الثوابت الوطنية ومتطلبات العصر.

ومن يتأمل مسيرة الأردن يدرك أن سر استمراره واستقراره يكمن في هذا التكامل الفريد بين الثورة والعرش والجيش. فالثورة العربية الكبرى منحت الفكرة والشرعية التاريخية، والقيادة الهاشمية وفرت الاستمرارية والرؤية، والجيش العربي وفر الحماية والاستقرار والسيادة.

وهكذا لم تكن هذه المناسبات الوطنية الثلاث أحداثاً متجاورة في التاريخ، بل أضلاع مثلث وطني متكامل صنع الدولة الأردنية الحديثة ورسخ مكانتها. فالثورة أطلقت الرسالة، والقيادة حملت الأمانة، والجيش صان المنجز.

وفي هذه الأيام الوطنية المجيدة، يستذكر الأردنيون بكل فخر مسيرة وطن آمن بنفسه، وتمسك برسالته، واستطاع أن يحول التحديات إلى فرص، وأن يبني نموذجاً في الاستقرار والاعتدال وسط منطقة تعصف بها الأزمات.

حفظ الله الأردن، وحفظ قيادته الهاشمية، وقواته المسلحة – الجيش العربي، وشعبه الوفي، ليبقى وطن الكرامة والعزة والاستقرار، ومنارةً للاعتدال، ونموذجاً للدولة التي جمعت بين أصالة التاريخ وثقة الحاضر وطموح المستقبل.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم