درادكه يكتب: الزيادة .. حين تتحول إلى عقوبة

منذ 2 ساعة
المشاهدات : 31569
 درادكه يكتب: الزيادة ..  حين تتحول إلى عقوبة
د. صبري راضي درادكة

د. صبري راضي درادكة

في الأصل، تُمنح الزيادات لتحسين مستوى المعيشة والتخفيف من أعباء الحياة المتزايدة، لا لخلق فوارق جديدة بين أصحاب الدخل المتقارب. غير أن ربط الزيادة بسقف محدد لا يتجاوز 600 دينار يثير تساؤلات مشروعة حول العدالة التي يفترض أن تقوم عليها مثل هذه القرارات.

وفي الغالب، فإن المستفيد الأكبر من هذه الزيادة هم موظفو الفئة الثالثة وأصحاب الرواتب الأقل، وهو أمر يمكن تفهمه من باب دعم ذوي الدخل المحدود. لكن السؤال الذي يفرض نفسه: هل يسقط حق الفئات الأخرى تلقائيًا؟ وهل أصبحت رواتبهم عبئًا جائرًا على موازنة الدولة يستوجب استبعادهم من أي تحسين أو زيادة؟
هذه الفئات لم تأتِ من فراغ، بل أمضى أفرادها سنوات طويلة في الدراسة والتحصيل العلمي، وحصلوا على مؤهلات أكاديمية ومهنية أهلتهم لتولي مواقع متقدمة في مؤسسات الدولة. كما تحملوا مسؤوليات أكبر، وخضعوا لمستويات أعلى من المساءلة والمحاسبة، وأسهموا في إدارة المرافق العامة وتطويرها وخدمة الوطن كلٌّ من موقعه.
ثم إن الفوارق الحالية لم تكن وليدة الصدفة، بل جاءت نتيجة مسار وظيفي طويل ارتبط بالمؤهلات والخبرات وطبيعة المسؤوليات. فهل يصبح ذلك اليوم سببًا للحرمان من أي زيادة؟ وهل يُعاقَب الموظف لأنه اجتهد وتقدم في سلم الوظيفة العامة؟
ويزداد التساؤل إلحاحًا عندما نتذكر أن بعض هذه الفئات سبق أن مُنحت زيادة مقدارها 45 دينارًا في إطار معالجة علاوة غلاء المعيشة، حين كانت العلاوة الممنوحة لها تبلغ 90 دينارًا، مساواةً لها مع الفئات الأخرى. أما اليوم، فيبدو أن منطق المساواة نفسه غاب، وحلّ مكانه معيار جديد يقسم الموظفين إلى مستحقين وغير مستحقين وفق رقم جامد لا يعكس حجم المسؤولية ولا سنوات الخدمة ولا المؤهلات العلمية.
ولا يقتصر أثر هذه الزيادة أو الحرمان منها على الراتب الحالي فحسب، بل يمتد إلى ما بعد انتهاء الخدمة بالنسبة للعاملين الخاضعين للضمان الاجتماعي، إذ إن أي زيادة على الأجر تنعكس مستقبلاً على المنافع التأمينية والراتب التقاعدي. ومن هنا فإن استبعاد شريحة واسعة من العاملين من هذه الزيادة لا يعني حرمانهم من أثرها الآني فقط، بل قد يترك آثارًا تمتد لسنوات طويلة بعد التقاعد، في حين يستفيد منها آخرون في حاضرهم ومستقبلهم التقاعدي معًا. وهذا ما يجعل النقاش حول العدالة في توزيع الزيادات أكثر أهمية، لأنها لا تتعلق بدخل اليوم فقط، بل بما سيترتب عليه من حقوق ومكتسبات مستقبلية.
وبخصوص التخفيف من معاناة أصحاب الرواتب المتدنية، فلا خلاف على أهمية ذلك وضرورته، لكن من الإنصاف النظر إلى الصورة كاملة. فمعاناة هذه الفئة تراكمت خلال سنوات الخدمة نتيجة محدودية الدخل، وهي معاناة حقيقية تستحق المعالجة. وفي المقابل، فإن أصحاب الرواتب الأعلى لم يصلوا إلى مواقعهم الوظيفية أو رواتبهم الحالية دون أثمان باهظة دفعوها على امتداد سنوات طويلة من حياتهم. فقد تحملوا تكاليف الدراسة والتأهيل، وأنفقوا من جهدهم وأعمارهم في التحصيل العلمي والتدريب واكتساب الخبرة، وكثير منهم دفع من عرق جبين أسرته ما مكّنه من الوصول إلى تلك المؤهلات التي أهلته لتحمل مسؤوليات أكبر.
ومن زاوية أخرى، فإن العدالة تقتضي النظر حتى داخل الفئة الواحدة. فالموظف الذي أمضى عشرين أو ثلاثين عاماً في الخدمة، واستنزف من صحته وطاقته وشبابه في العمل العام، يجد نفسه اليوم في موقع متساوٍ مع موظف ما زال في بدايات تعيينه من حيث الاستفادة أو عدم الاستفادة من هذه الزيادة. وهنا يبرز التساؤل: أين قيمة سنوات الخدمة الطويلة؟ وأين التقدير المتراكم للخبرة والعطاء؟ فالأقدمية لم تكن مجرد مرور للزمن، بل كانت سنوات من المسؤولية والالتزام والعمل في خدمة الدولة والمجتمع.
إن دعم أصحاب الدخول المتدنية مطلب وطني واجتماعي لا خلاف عليه، لكن العدالة لا تكتمل بإغفال فئات أخرى قدمت للوطن سنوات من العمل والعطاء. فالمطلوب ليس حرمان فئة لصالح أخرى، بل إيجاد معادلة أكثر إنصافًا تراعي أوضاع الجميع، وتحفظ الشعور بالعدالة بين العاملين في مؤسسات الدولة، لأن العدالة الوظيفية لا تتحقق عندما يشعر بعض الموظفين أن اجتهادهم وخبرتهم ومسؤولياتهم أصبحت سببًا لاستبعادهم من أي تحسن معيشي.
فالزيادة التي تُمنح لفئة دون أخرى قد تحقق هدفًا ماليًا آنياً، لكنها تفتح بابًا واسعًا للتساؤل حول مفهوم العدالة الوظيفية، وحول الرسالة التي تصل إلى الموظف الذي أمضى سنوات في الدراسة والتأهيل وتحمل أعباء المسؤولية العامة. فالدولة التي تكرّم العطاء ينبغي أن تحرص على ألا يشعر أي من أبنائها العاملين بأن خبرته ومؤهلاته ومسؤولياته تحولت إلى سبب لحرمانه من حقه في تحسين ظروفه المعيشية، أو أن يمتد هذا الحرمان ليؤثر في حقوقه ومكتسباته التقاعدية مستقبلاً.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم