نادية سعدالدين تكتب: "الأقصى" والرواية الصهيونية الزائفة

منذ 1 ساعة
المشاهدات : 8231
نادية سعدالدين تكتب: "الأقصى" والرواية الصهيونية الزائفة
نادية سعدالدين

نادية سعدالدين

لطالما شكل صمود الشعب الفلسطيني وصلابة مقاومته، والرعاية الهاشمية للمقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس المحتلة الممتدة تاريخيا لما قبل عام 1924 حينما تكرست بيعة ووصاية تم إعادة تأكيدها بالاتفاق التاريخي الذي وقعه جلالة الملك عبدالله الثاني والرئيس محمود عباس في 31 (مارس) 2013 استكمالا للجهود السياسية والدبلوماسية والقانونية الأردنية لحماية المقدسات وتعزيز صمود المقدسيين في أرضهم، عقبةً كؤودًا أمام الأطماع الصهيونية لتهويد المدينة ومقدساتها وطمس معالمها الحضارية والدينية وضم كامل الضفة الغربية أو الجزء الأكبر منها.


وأمام شراسة الحراك المضاد لأطماعه؛ يمعن الاحتلال في سياسة التنكيل والهدم والتضييق المعيشي وإطلاق يد المستوطنين العدوانية تخريبا ودمارا ضد القدس المحتلة، بالتزامن مع مساعي تزييف الحقائق المدعومة بإرث تاريخي وقانوني ممتد، سبيلا لفرض وقائع مغايرة تسهل سرقة هوية المدينة المقدسة والسيطرة على المسجد الأقصى المبارك تمهيدا لهدمه وإقامة «الهيكل» المزعوم مكانه.
ولا يجد الكيان المحتل مخرجا سوى الترويج «لأساطيره» وإكسابها ثوب المصداقية؛ بتعميم مزاعم «الوعد الإلهي» و»الحق التاريخي» في «أرض إسرائيل» على القدس، وتكريس مفاهيم العودة واتخاذ «أورشليم» عاصمة «الدولة» وبناء «الهيكل» المزعوم فيها، بعد تحوير الاحتلال إلى «تحرير» واعتبار ضم جانبها الشرقي بمثابة «التوحيد»، وإطلاق التسميات الدينية عليها مثل «مدينة الله» و»مدينة داوود» و»مدينة صهيون»، لضمان توحيد المستوطنين حولها لما تشكله من مصدر تعبوي مهم.
ويكمل التشريع والتراث اليهودي المزعوم مهمة التزييف؛ بإحاطة القدس بقوانين وأساطير تزعم أن الإله خلق «أورشليم» عند خلقه العالم وأنه أقام خيمة الاجتماع فيها وصلى متمنيا ألا يعصيه أبناؤه، لتجسيدها في الوعي الديني اليهودي عبر استعادة القدس في الصلاة الأساسية بالديانة اليهودية «شمونا إسراي» التي تتلى ثلاث مرات يوميا. وظل اليهود عبر تاريخهم يتوجهون إلى «الهيكل» المزعوم في صلواتهم أملا في الوصول إلى الحالة التي تمكنهم من إعادة بنائه، بوصفه أقدس مقدسات اليهود، ويعد قدس الأقداس أقدس شيء فيه وجزءا من «الهيكل» نفسه الذي كان يضم تابوت العهد، فتظل قدسية «جبل الهيكل» قائمة حتى بعد الزعم بدمار الهيكل، حيث بقيت القدس قبلة الصلاة اليهودية.
ورغم ما تتضمنه التعاليم اليهودية من تبجيل وتقديس للقدس والهيكل، إلا أن ثمة رأيا منافٍيا لقدسية القدس عند اليهود والتي كان لها وضع سياسي معين في التاريخ يريدون تحويله لنصوص دينية مقدسة، وفق الأبحاث والدراسات وما أكدته التوراة. فوفق ذلك المعتقد، فإن القدس لم تذكر في أسفار التوراة الخمسة، توراة موسى عليه السلام، مثلما لم ترد على لسان الأنبياء والآباء اليهود في العالم، حتى بعد فترة «يوشع بن نون» عندما دخل فلسطين وقسم أرضها بين (الأسباط) القبائل اليهودية الاثني عشر (وفق ما ورد في سفر يشوع)، حيث لم يتم فعليا احتلال المدينة لما يقرب من 200 سنة من دخوله إليها. فيما اختيرت القدس عاصمة الدولة أثناء ملك داوود عليه السلام لأسباب جغرافية وسياسية وليست دينية، بينما يشير التاريخ إلى نشوب حروب طاحنة بين مملكة «إسرائيل» (سماريا) في شمال فلسطين التي اتخذت نابلس عاصمة لها، ومملكة «يهوذا» في القسم الجنوبي منها وعاصمتها القدس، ولو كان للقدس قيمة دينية عندهم لما تجرأوا على سرقتها ونهبها وتخريب الهيكل فيها.
ومن هنا تأتي شروحات التوراة والتلمود (يحوي مجموع التعاليم اليهودية التي نقلها الأحبار اليهود تفسيرا للعهد القديم)، والمشناه (الشريعة الشفهية التي يزعم اليهود أنها نزلت على موسى عليه السلام) عن القدس، وهي ليست مربوطة بنصوص دينية وإنما تورد ذكريات القوة والسيادة والحرية الواردة في المزامير (أحد أسفار العهد القديم) والتي تتغنى بمرحلة السيادة بين عبوديتين حيث كان اليهود قبل القدس عبيدا في مصر وبعدها عبيدا في بلاد الرافدين. وينسحب ذلك الأمر على «الهيكل» المزعوم الذي تعرض للتخريب والهدم على أيديهم، في وقت لا يعترفون فيه بسليمان عليه السلام نبيا وإنما ملكا، بينما خلصت الأبحاث والدراسات التي أعدتها جماعات بريطانية وفرنسية إبان تنفيذ عمليات مضنية من البحث والتنقيب منذ العام 1865 إلى عدم وجود أي أثر للهيكل خلافا لما ذكرته التوراة.
ومع ذلك؛ لا تزال الصهيونية تروّج لأساطيرها التي تجد أصداء في بيئات أميركية غربية حاضنة. ورغم النضال الفلسطيني المستمر دفاعا عن الحقوق الوطنية المشروعة، والوصاية الهاشمية المحمية تاريخيا وقانونيا وشعبيا والمدعومة دوليا بوصفها دعامة استقرار إقليمي، إلا أن «الأقصى» يواجه تحديا خطيرا يستدعي تحركا عربيا إسلاميا عاجلا ومناصرا للدور الأردني لمواجهة انتهاكات الاحتلال وأطماعه التوسعية.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم