درادكه يكتب: واسطة بقانون

منذ 5 ساعات
المشاهدات : 23386
 درادكه يكتب: واسطة بقانون
د. صبري راضي درادكة

د. صبري راضي درادكة

لم تعد الواسطة تُمارَس بصورتها التقليدية، بل ارتدت أشكالًا جديدة أكثر تعقيدًا. فما كان يُنجَز بالأمس عبر اتصال هاتفي مباشر أو توصية معلنة، أصبح اليوم يُقدَّم بأسماء أكثر أناقة وأقل إثارة للانتباه. تغيّرت الأدوات وتبدّلت الأساليب، لكن الجوهر بقي كما هو: محاولة تجاوز معايير العدالة وتكافؤ الفرص لصالح النفوذ والعلاقات الشخصية.
وفي مجتمع يتطلع إلى ترسيخ قيم الكفاءة والنزاهة وسيادة القانون، تظل الواسطة واحدة من أكثر التحديات التي تستنزف الثقة بالمؤسسات، وتزرع الإحباط لدى من يؤمنون بأن الجدارة وحدها يجب أن تكون طريق التقدم والنجاح.
وحتى لا يلتبس المقصود على القارئ، فليس الحديث هنا عن الواسطة التقليدية في التعيينات أو الترقيات أو المعاملات اليومية فقط، بل عن صورة أكثر تعقيدًا وأشد رسوخًا؛ عن الواسطة حين تجد لها مكانًا داخل النصوص، أو بين ثنايا الاستثناءات، أو خلف أبواب التأويل والاجتهاد الإداري. إنها الواسطة التي لا تحتاج إلى همسة في أذن مسؤول، ولا إلى ورقة توصية تُمرَّر خفية، لأنها تأتي أحيانًا محمولة على قرار، أو مختبئة خلف إجراء، أو متكئة على استثناء يبدو قانونيًا في شكله وإن كان يفتقر إلى العدالة في أثره.
إنها واسطة بقانون؛ تسير على الأقدام حين يكون الطريق ممهّدًا، وتزحف على بطنها حين تضيق المسالك، وتطير بجناحي الاستثناء والتأويل حين تعترضها الحواجز. تتبدل أسماؤها وتتغير هيئاتها، لكنها تبقى قادرة على الوصول إلى غايتها، حتى أصبح المواطن يتساءل أحيانًا: أين تنتهي سلطة القانون، وأين تبدأ سلطة الامتياز؟
فالقضية ليست في قانونٍ يُطبَّق على الجميع، وإنما في استثناءٍ يُفصَّل للبعض، وليست في إجراءٍ عادل، وإنما في منفذٍ يُفتح لفئة ويُغلق في وجه أخرى. وهنا تتحول المشكلة من مخالفةٍ للقانون إلى ما هو أخطر: استخدام القانون نفسه ليصبح غطاءً للتمييز بدل أن يكون حصنًا للمساواة.
وعندما يتكرر هذا المشهد أمام الأجيال الشابة، لا تكون الخسارة في فرصةٍ ضاعت أو حقٍّ تأخر فحسب، بل في القيم التي تتآكل بصمت. فالشاب الذي يُقال له إن الاجتهاد هو الطريق، ثم يرى أن الطريق يُختصر بالاستثناءات والامتيازات، يبدأ بفقدان ثقته بعدالة المنافسة وجدوى الكفاءة. وعندها يدخل معركة الحياة بغير سلاح؛ لأن سلاحه الحقيقي هو الإيمان بأن الجهد يُكافأ، وأن القانون يحمي الجميع على قدم المساواة. فإذا اهتز هذا الإيمان، اهتزت معه منظومة القيم التي يقوم عليها المجتمع، وتراجع الانتماء للكفاءة لصالح البحث عن النفوذ، وحلَّ الإحباط محل الطموح.
لذلك فإن مواجهة الواسطة، مهما تغيّرت أسماؤها أو تنوّعت أشكالها، ليست مجرد معركة إدارية أو قانونية، بل هي معركة أخلاقية وثقافية لحماية معنى العدالة ذاته، وصون ثقة المواطن بدولته، وثقة الشباب بمستقبلهم. فالدول لا تُبنى بالنصوص وحدها، وإنما بالثقة بأن هذه النصوص تُطبَّق بروح المساواة التي وُجدت من أجلها، وأن القانون يبقى ميزانًا واحدًا للجميع، لا سلّمًا يصعد به بعضهم ويُترك عنده الآخرون.

بقلم الدكتور صبري راضي درادكه
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم