الخوالدة يكتب: دروس النكسة ومستقبل العمل العربي المشترك

منذ 1 ساعة
المشاهدات : 8796
 الخوالدة يكتب: دروس النكسة ومستقبل العمل العربي المشترك
د. زيد إحسان الخوالدة

د. زيد إحسان الخوالدة

لا تُقاس أهمية المحطات التاريخية بحجم ما خلفته من خسائر أو انتصارات فحسب، بل بقدرتها على تقديم الدروس للأجيال اللاحقة. ويأتي الخامس من حزيران بوصفه إحدى المحطات المفصلية التي أعادت طرح أسئلة القوة والجاهزية وصناعة القرار في العالم العربي. فالتاريخ لا يمنح الأمم فرصة تغيير ما حدث، لكنه يمنحها دائماً فرصة فهم ما حدث وتحويل الخبرة المتراكمة إلى أدوات أكثر قدرة على التعامل مع تحديات الحاضر ومتطلبات المستقبل.

لقد كشفت النكسة أن القوة ليست مجرد سلاح وجيش، بل منظومة متكاملة تبدأ من بناء الإنسان وتعزيز الانتماء الوطني والقومي، وتمر عبر التعليم والاقتصاد والمؤسسات والإدارة الرشيدة، وصولاً إلى الجاهزية العسكرية. ومن هنا يمكن فهم العديد من التحولات التي شهدها العالم العربي خلال العقود اللاحقة، كما يمكن فهم الرؤية التي تبناها المغفور له الملك الحسين بن طلال، والتي قامت على أن بناء الدولة القوية والمجتمع المتماسك هو المدخل الطبيعي لبناء قوة عربية قادرة على حماية مصالحها والدفاع عن قضاياها.

وقد أدرك الحسين مبكراً أن المعارك لا تُحسم في ميادين القتال وحدها، بل تُحسم أيضاً في بناء الإنسان ومؤسسات الدولة وترسيخ الهوية الوطنية والقومية. ومن هذا المنطلق جاء قرار تعريب قيادة الجيش العربي عام 1956 بوصفه خطوة سيادية عززت الثقة بالإنسان العربي ورسخت الاستقلال الوطني ورفعت منسوب الانتماء والمسؤولية. كما بقي الأردن حاضراً في الدفاع عن القدس والمقدسات الإسلامية والمسيحية وعن الأرض العربية منذ عام 1948 وحتى عام 1967، متحملاً نصيبه من الأعباء والتضحيات في إطار التزامه بقضايا أمته العربية.

وعندما جاءت حرب حزيران، لم يكن الأردن يبحث عن الحرب بقدر ما وجد نفسه جزءاً من موقف عربي عام فرضته ظروف تلك المرحلة وتعقيداتها. وقد كان الملك الحسين يدرك أن الطريق نحو استعادة التوازن الاستراتيجي ما زال يحتاج إلى مزيد من الإعداد والتنسيق وبناء عناصر القوة الشاملة، إلا أن الالتزام بقضايا الأمة العربية ومقتضيات التضامن العربي كان جزءاً أصيلاً من المسؤولية القومية التي لم يتخل عنها الأردن.

لقد أثبتت التجربة أن الاستعداد للمعركة لا يقتصر على امتلاك السلاح والعتاد، بل يشمل بناء العقيدة القتالية، والتخطيط الواقعي، والتوجيه الفاعل، وتهيئة الجبهة الداخلية، وتعزيز الاعتماد على الذات، ودراسة مختلف الاحتمالات والسيناريوهات. كما أثبتت التجربة المصرية بعد عام 1967 أن الهزائم ليست قدراً دائماً، وأن التعلم من الأخطاء وإعادة البناء يمكن أن يصنعا فارقاً كبيراً في موازين القوة.

وعند الحديث عن حرب تشرين عام 1973، فإن التركيز غالباً ما ينصب على الإنجاز المصري الكبير في سيناء، غير أن جبهة الجولان شهدت بدورها معارك ضارية شاركت فيها قوات عربية متعددة. وقد أسهمت القوات الأردنية والعراقية إلى جانب القوات السورية وقوات عربية أخرى في دعم صمود الجبهة السورية ومنع تحقيق أهداف إسرائيلية أوسع. كما أثبتت معركة الكرامة ومعارك اللطرون وباب الواد والسموع أن الجندي العربي يمتلك الكفاءة والشجاعة والقدرة على التضحية عندما تتوافر له القيادة والإعداد والإرادة.

كما أدرك العرب بعد النكسة أهمية الانتقال من منطق الشعارات إلى منطق العمل، ومن الاستعراض إلى البناء، ومن ردود الفعل إلى التخطيط الاستراتيجي. فالقوة الحقيقية لا تُقاس بارتفاع الخطاب، بل بقدرة المؤسسات على الإنجاز والتطوير والاستعداد المستمر. وفي المقابل، استمرت إسرائيل في الاستثمار في التفوق الاستخباري والتكنولوجي والعمل الاستباقي، وهو ما يؤكد أن الصراعات الحديثة لم تعد تعتمد على القوة العسكرية وحدها، بل على المعرفة والمعلومات والاقتصاد والتكنولوجيا.

أما الدرس الأهم، فهو أن الأمن القومي العربي لم يعد مرتبطاً بالسلاح فقط، بل أصبح يرتبط بالاقتصاد والتكنولوجيا والتعليم والبنية التحتية والاستقرار الاجتماعي. ومن هنا تبرز أهمية دعم دول الطوق العربية، وفي مقدمتها الأردن ومصر، اللتين تحملتا عبر عقود أعباء استراتيجية وأمنية وسياسية كبيرة. كما لا يمكن الحديث عن مستقبل المنطقة دون دعم جهود التعافي وإعادة البناء في سوريا ولبنان والعراق واليمن وليبيا والسودان، لأن استقرار هذه الدول يشكل جزءاً أساسياً من استقرار النظام العربي بأكمله.

ولا تزال القضية الفلسطينية تمثل القضية المركزية الأولى في الوجدان العربي، كما تشكل محوراً أساسياً في السياسة الأردنية التي بقيت ملتزمة بالدفاع عن الحقوق الفلسطينية المشروعة وحماية المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس. كما أن الوقوف إلى جانب مصر في القضايا المرتبطة بأمنها القومي، وفي مقدمتها الأمن المائي، يمثل جزءاً من مفهوم التضامن العربي القائم على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل.

وعندما نتحدث عن مستقبل العمل العربي المشترك، فإن المقصود لا يقتصر على إنشاء قوة عسكرية موحدة أو توقيع اتفاقيات دفاعية محدودة الأثر، بل يتجاوز ذلك إلى بناء منظومة عربية متكاملة من التعاون والتنسيق الاستراتيجي. فالقوة في عالم اليوم تُقاس بحجم التكامل الاقتصادي، وقدرات البحث العلمي والتكنولوجي، وأمن الطاقة والمياه والغذاء، وكفاءة البنية التحتية، وحجم الاستثمارات المتبادلة، إلى جانب التنسيق السياسي والأمني والعسكري.

كما أن التحولات الدولية المتسارعة أثبتت أن الأمن القومي العربي لم يعد مرتبطاً بحماية الحدود فقط، بل أصبح يشمل الأمن المائي، وأمن الطاقة، وأمن الغذاء، وأمن الممرات البحرية والتجارية، وسلاسل التوريد، والاتصالات والتكنولوجيا. فالمياه والطاقة والموانئ والمضائق وخطوط التجارة الدولية أصبحت جزءاً من معادلات السيادة والاستقرار والتنمية، وأي خلل فيها ينعكس بصورة مباشرة على أمن الدول واستقرار شعوبها.

ومن هنا فإن الحفاظ على المصالح العربية الحيوية يتطلب بناء قدرات عربية قادرة على حماية هذه المصالح وصيانتها وردع أي تهديد يمسها، ضمن إطار من الشرعية والتعاون واحترام القانون الدولي. كما أن المصلحة العربية قد تقتضي في بعض الأحيان بناء شراكات وتحالفات متوازنة مع قوى إقليمية أو دولية صديقة عندما يخدم ذلك الأمن والاستقرار ويحفظ المصالح العربية العليا، شريطة أن يبقى القرار العربي مستقلاً وأن تبقى الأولوية للمصلحة العربية المشتركة.

إن الحاجة العربية ليست إلى اتفاقيات شكلية أو مؤقتة، وإنما إلى شراكات وازنة ومستدامة ترتقي بمستوى التعاون العربي إلى مستويات متوسطة وعالية من التكامل، بما يحقق المصالح المشتركة ويعزز الاستقرار ويرفع من قدرة الدول العربية على حماية أمنها القومي والدفاع عن مصالحها واسترداد حقوقها المشروعة.

وفي النهاية، فإن النكسة لم تكن نهاية الطريق، بل كانت بداية لمرحلة من المراجعة وإعادة التقييم. فالأمم الحية لا تُقاس بعدد ما تعرضت له من انتكاسات، بل بقدرتها على الاستجابة لها وتحويل دروسها إلى فرص للنهوض والبناء.

وإذا كان الخامس من حزيران قد كشف مكامن الخلل في مرحلة من تاريخ الأمة، فإن الاستجابة الحقيقية له تكمن في بناء عمل عربي مشترك أكثر تماسكاً وقدرة على التعاون والتكامل، يستند إلى المصالح المشتركة والإرادة السياسية والعمل المؤسسي، ويجمع بين التنمية والردع، وبين الاستقرار والقدرة على حماية الحقوق والمصالح العربية.

فمستقبل العمل العربي المشترك لا يبدأ من البيانات، بل من المصالح المتبادلة، ولا يقوم على الشعارات، بل على المشاريع والمؤسسات والتكامل الاقتصادي والعلمي والتقني. وعندما تلتقي الإرادة السياسية مع المصالح المشتركة والقدرات البشرية والموارد الهائلة التي يمتلكها العالم العربي، يصبح الانتقال من مرحلة إدارة الأزمات إلى مرحلة صناعة المستقبل هدفاً قابلاً للتحقق، لا مجرد أمنية مؤجلة.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم