د. هيثم علي حجازي يكتب: قَبْلَ أنْ نلومَ الموظفَ الحكوميَ: أين دور القياداتِ الإداريةِ؟

منذ 2 يوم
المشاهدات : 35760
د. هيثم علي حجازي يكتب: قَبْلَ أنْ نلومَ الموظفَ الحكوميَ: أين دور  القياداتِ الإداريةِ؟
د. هيثم علي حجازي

د. هيثم علي حجازي

في كل مرة يتعثرُ فيها تقديمُ خدمة عامة، أو يتأخر إنجازُ معاملة، أو تتفاقمُ شكوى مواطن، تتجهُ الأنظار بسرعة إلى الموظف الحكومي الجالس خلف المكتب، فيصبح هو المتهم الأول، والواجهة الأسهل لامتصاص الغضب، والهدف الأقرب للانتقاد. غير أن السؤال الذي غالبا ما يجري تجاهله عمدا أو كَسَلا هو: أين كانت القيادات الإدارية قبل أن يصبح الموظف موطِن الخلل؟ ومَن وضع التعليمات؟ ومَن راقب الأداء؟ ومَن ترك المؤسسة تعمل بعقلية قديمة وأدوات منهكة ثم طالب موظفيها بنتائج مثالية؟

تحميل الموظف الحكومي وحده مسؤولية الفشل الإداري هو تهرُّبٌ من المسؤولية ظالم ومريح. ظالم لأنه يتجاهل أنّ الموظف يعمل داخل منظومة يندر أنْ يملك حق تغييرها، ومريح لأنه يعفي القيادات مِن مواجهة مسؤولياتها الحقيقية. فالموظف لا يضع الهيكل التنظيمي، ولا يصمم الإجراءات، ولا يقرر عدد الكوادر، ولا يعتمد الموازنات، ولا يملك غالبا صلاحية كسر البيروقراطية السلبية التي تخنق العمل اليومي. ومع ذلك، حين تنكشف عيوب النظام المعمول به، يُستدعى الموظف إلى منصة اللوم وكأنه هو مَن صمم الخلل وأداره ورعاه.
المشكلة ليست في وجود أخطاء فردية؛ فالأخطاء موجودة في كل مؤسسة، والموظف المهمل أو المتجاوز يجب أن يُحاسَب بلا تردد. لكن الخطورة تبدأ عندما تتحول المساءلة إلى عملية انتقائية تبدأ مِن أسفل الهرم وتتوقف قبل أنْ تصل إلى قمته. وهنا لا نكون أمام عدالة إدارية، بل أمام إدارة تبحث عن ضحية لا عن حل، وعن موظف يتم تحميله الغضب العام بدلا مِن أنْ تتحمل القيادة نتائج قراراتها أو تقاعسها.
القيادة الإدارية ليست لقبا فخما، ولا مكتبا واسعا، ولا توقيعا في نهاية المعاملات، وإنما مسؤولة عن الرؤيا، والتنظيم، والرقابة، والتحفيز، وتصحيح المسار. فإذا كانت الإجراءات معقدة فمِن مسؤولية القيادة تبسيطها، وإذا كانت الصلاحيات متداخلة فمن واجبها تنظيمها، وإذا كان الموظفون يعملون بلا تدريب كاف، أو تحت ضغط يفوق طاقتهم، أو ضمن أنظمة إلكترونية متعثرة، فلا يجوز للقيادة أن تختبئ خلف عبارة: “الموظف قصّر" فالتقصير الأكبر هو أن تعرف الإدارة بوجود الخلل ثم تتركه يتفاقم حتى ينفجر في وجه المواطن والموظف معا.
كثير مِن القيادات الإدارية تمارس دور المتفرج حتى تقع الأزمة، ثم تتحول فجأة إلى قاضٍ صارم. فهي لا تظهر عند التخطيط، ولا عند المتابعة، ولا عند معالجة أسباب التراكم، وتظهر عند البحث عن المخطئ. وهذا النمط مِن القيادة هو قيادة متعثرة لا تقود، بل تلاحق النتائج بعد فوات الأوان؛الإدارة الناجحة لا تنتظر الفشل لتصدر العقوبات؛ بل تبني نظاما يمنع الفشل، وتخلق بيئة عمل يعرف فيها الموظف ما له وما عليه، وتضع مؤشرات أداء واضحة، وتتابع التنفيذ قبل أنْ يتحول الخلل إلى فضيحة.
ومِن أشد مظاهر الخلل أنّ بعض القيادات تطالب الموظف بالإبداع بينما تقيده بتعليمات جامدة، وتطالبه بسرعة الإنجاز بينما تتركه غارقا في نقص الكوادر، وتطالبه بحسن التعامل مع الجمهور بينما لا توفر له حماية مِن الضغط والإساءة والفوضى، وتطالبه بالمبادرة بينما تعاقبه إنْ اجتهد خارج النص. ثم إذا تعثرت الخدمة، أصبح الموظف وحده عنوان الفشل. فأي منطق إداري هذا الذي يحاسب الحلقة الأضعف، ويتجاهل مَن صاغ القواعد التي كبّلتها؟
إنّ الإدارةَ التي لا تحاسب قياداتها بقدر ما تحاسب موظفيها تُنتج ثقافة خوف لا ثقافة أداء. والموظف في هذه البيئة لا يفكر في تحسين الخدمة، بل يفكر في حماية نفسه؛ فلا يبادر، ولا يقترح، ولا يتحمل مسؤولية إضافية، ولا يغامر بأي اجتهاد قد يُستخدم ضده لاحقا. وهكذا تتحول المؤسسة إلى جسد ميت بارد: موظفون ينتظرون التعليمات، ومديرون ينتظرون الأخطاء، ومواطنون يدفعون ثمن الجمود.
قبل أنْ نلوم الموظف الحكومي، علينا أنْ نسأل: هل تم تحديد أهداف واضحة للموظف عليه أنْ يحققها وتتم محاسبته بناء عليها؟ هل تلقى تدريبا مناسبا؟ هل يملك الأدوات اللازمة؟ هل يعرف حدود صلاحياته؟ هل هناك نظام عادل لتقييم أدائه؟ هل كوفئ المجتهد وعوقب المتقاعس؟ هل قامت القيادة بجولات متابعة حقيقية أم اكتفت بالتقارير الشفهية؟ هل جرى الإصغاء لمن يعملون في الميدان، أم بقي القرار حبيس المكاتب المغلقة؟
هذه الأسئلة ليست دفاعا عن الإهمال، بل هي دفاع عن منطق الدولة الحديثة. فالمؤسسات لا تُدار بالانفعالات، ولا تُحَدَّثُ بالتصريحات، ولا تنهض بتوبيخ موظف هنا أو نقله هناك. فالإصلاح يبدأ مِن الاعتراف بأن المسؤوليةَ الإداريةَ هرميةٌ، وأنّ مَن يملك القرار يملك النصيب الأكبر مِن المساءلة. وكلما ارتفع مستوى المنصب، ارتفع حجم المسؤولية، لا العكس.
إن القيادات التي تريد أن تُحترم يجب أنْ تتقدم الصفوف عند المسؤولية كما تتقدم الصفوف عند الامتيازات، ولا يجوز أن تكون القيادة حاضرة عند الإنجازات وغائبة عند الإخفاقات، كما لا يجوز أن تُنسب النجاحات إلى الرؤيا الإدارية "هكذا ارتأى رأس الهرم" ثم تُنسب الأخطاء إلى “الموظف المقصر”. فمثل هذه الازدواجية تقتل الثقة داخل المؤسسات، وتضعف هيبة الإدارة أمام الموظف والمواطن على حد سواء، وتحوّل المساءلة إلى أداة انتقائية لا قيمة إصلاحية لها.
الموظف الحكومي ليس ملاكا، وليس فوق النقد أو المحاسبة: لكنه أيضا ليس "الحيط الواطي" الذي تقفز فوقه القيادات كلما ساءت النتائج. وقبل رفع أصابع الاتهام في وجه الموظف، يجب رفعها أولا أمام مَن صمموا نظام العمل، ومَن أداروا الموارد، ومَن أهملوا التدريب، ومَن تجاهلوا التحذيرات، ومَن اكتفوا بإدارة المكاتب لا إدارة المؤسسات.
العدالة الإدارية الحقيقية لا تبدأ مِن الموظف الصغير وتنتهي عنده؛ بل تبدأ من قمة الهرم، حيث تُصنع القرارات وتُرسم السياسات وتُوزع الصلاحيات. وحين تصبح القيادات الإدارية شريكة فعلية في المساءلة، لا مراقبا بعيدا عنها، عندها فقط يمكن أنْ نتحدث عن إصلاح جاد، وعن خدمة عامة تحترم المواطن، وتحمي الموظف، وتضع المسؤولية في مكانها الصحيح.

*رئيس ديوان الخدمة المدنية الأسبق
أمين عام رئاسة الوزراء الأسبق
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم