فراس نصوح المجالي يكتب: بين إعلامي ومؤثر: ​أزمة الثقل في عصر الخفة

منذ 1 ساعة
المشاهدات : 17177
فراس نصوح المجالي يكتب: بين إعلامي ومؤثر: ​أزمة الثقل في عصر الخفة
فراس نصوح المجالي

فراس نصوح المجالي

لم يكن مالك الجريدة أو مالك الموقع الإخباري الإلكتروني حتى عهد قريب مجرد ناشر، بل كان حارس بوابة يقرر مَنْ يتحدث وما يتحدث به، وكيف يصل كلامه، ويستخدم لذلك طاقماً من المحررين والمراسلين بتراكم مهني، والتزام بمسؤولية قانونية وأخلاقية جعلت لكل كلمة وزناً وقيمة.

​إلا أن الفضاء الرقمي أطاح تدريجياً بتلك البوابة وقدم للناس بثاً مفتوحاً، فتقدّم الصفوف من تَقدّم دون مؤهلات وبلا معايير، ولم تكن المشكلة في التخلي عن البوابة بل في أن الناس نسوا ما كانت تحميه.

​لقد ظهر في المشهد تنافس جديد تفوق فيه التسويق الرقمي الذي قدم بديلاً أرخص وأكثر مصداقية من الإعلان التقليدي، ليعتمد على فكرة أن الناس يثقون بالناس أكثر مما يثقون بالإعلانات.

​ولم يستهدف ذلك البديل التأثير الفعلي في السلوك والمعرفة، بل اقتصر على الوصول والظهور في فضاء التواصل الافتراضي، فصُنعَ مفهوم "المُؤثِّر" من رحم التسويق، لا من رحم الفكر أو الإعلام أو المعرفة العلمية.

​إن كلمة مُؤثِّر جاءت في اللغة مشتقة من (أثَّر) أي ترك علامة أو بصمة واضحة في غيره، حسية أو معنوية، فالمُؤثِّر هو من يفترض بأن يغيّر في حالة الأشياء.

​وهناك فارق جوهري بين الشهرة، وبين المتابعة، وبين التأثير؛ فالشهرة تعني أن الناس يعرفونك، والمتابعة تعني أنهم يرون ما تنشر، أما التأثير فيعني أن ما تقوله يغير شيئاً في طريقة تفكيرهم أو سلوكهم.

​أما من يُطلق عليهم بالمؤثرين عبر وسائل التواصل فربما يمتلكون شهرة ومتابعة، لكن التأثير الحقيقي يبقى امتيازاً نادراً إذا ما قسناه بالقدرة على التأثير بالقناعات، لا بأرقام الإعجاب التي يمكن شراؤها وتضخيمها بخوارزميات لا علاقة لها بجودة المحتوى.

​وبرغم ذلك، تجد في المجال قلة من المؤثرين الحقيقيين الذين يتحدثون ضمن نطاق من العلم والمعرفة ويسهمون في رفع الوعي، لكن المشكلة تكمن في آلية عمل المنظومة التي تكافئ الإثارة، وتروّج للسطحية، وتجعل من الصدفة محوراً للشهرة.

​وبالعودة إلى عالمنا الذي تآكلت فيه المؤسسات الراسخة؛ فإن عامة الناس الذين يميلون إلى الثقافة المسموعة لا يصبرون على الكتابة والقراءة، ولا يتحملون ثقل ما تنتجه الخبرة المتراكمة، بل يميلون إلى المعرفة الجاهزة، مسبقة الصنع، القابلة للابتلاع والهضم السريع.
​ومن هنا أخذ المؤثر مكانه في المشهد، ليس لأنه يملك الإجابة، بل لأنه يملك الشكل والأداء المناسب لمن لا وقت لديه للانشغال بالسؤال والتفكير.

​لقد نجحت الرأسمالية المعاصرة في صناعة فضاء الاتصال الرقمي ونقل السيطرة الاقتصادية من الأرض والجغرافيا إلى الوعي والانتباه البشري، فصنعت عالماً افتراضياً على منصات التواصل كبديل للواقع وحقيقة الأشياء.

​وبرز دور المؤثر كنتاج عبقري لهذه المنظومة، حيث تحول كثير من الناس إلى أداة تسويقية حية؛ يبيعون نمط حياتهم وعواطفهم الافتراضية كطعم لترويج الأفكار والمنتجات بأسلوب يبدو عفوياً ولكنه مدفوع الأجر.

​وكان على المستخدم أن يخضع لسيطرة خوارزميات تدير تطبيقات التواصل الاجتماعي، لتحدد ما يشتهيه قبل أن يعرفه، ثم تقدم له عرضاً ووجهاً يغريه بالتوافق لا بالتفكير.

​أما الوجه الآخر لمنظومة الاتصال الرقمي، فقد ظهر في شكل حرب مفاهيمية تسعى لهيكلة جديدة للمجتمعات وتفكيك روابطها من خلال زعزعة القيم الأصيلة والعبث بالحقائق التاريخية لصناعة ذاكرة بديلة.

​ومن هنا برعت المنظومة في تحفيز مستخدمين ومؤثرين على تسويق تاريخهم وسردياتهم الخاصة وقراءاتهم للأحداث، حتى تحولت الآراء والانطباعات الشخصية إلى بضاعة معروضة في مسرح رقمي مفتوح يغري الجميع لتقمص الإبداع والعبقرية، وانتحال الحكمة والفضيلة والعلم دون حاجة لتراكم معرفي أو رصيد أخلاقي حقيقي.

​لكن هذا التحول تطلب هدم كثير من المفاهيم التقليدية، ومحاولة إحلال نخب اجتماعية جديدة موازية تصنع شرعيتها من خلال المنصات وبقوة الخوارزميات، لتصبح (النخب الرقمية) أداة تستغلها المنظومة لإدارة مجتمع الانتباه الجديد وتوجيه وعيه نحو الاستهلاك المستمر، وصناعة البريق والصراعات الافتراضية، والتطبيع مع التفاهة والسطحية.

​لقد وجد الكثير من الناس فرصة للتمرد على النخب التقليدية للتخلص مما يرونه احتكاراً للمعلومة وتحيزاً للرأي، وساعد هذا التمرد أدوات التواصل الافتراضي التي غيرت في ديناميكيات المجال العام؛ حيث تراجعت سلطة المصدر لصالح سلطة المضمون، وباتت المصداقية تعتمد على جودة المعلومة وليس المكانة الرمزية لقائلها.

​وعبّر هذا التحول عن حقيقة رفض المجتمع الرقمي لآلية الإسقاط العمودي للمعلومة التي احتكرتها النخب التقليدية، والميل -بدلاً من ذلك- إلى نمط التداول الأفقي بين شبكات الأقران؛ حيث تغِيبُ المركزية ويصبح الجميع شركاء في النشر والتفاعل وإبداء الرأي.
​وبرغم ذلك فقد فشل الفضاء الإلكتروني في صناعة نخب اجتماعية تصمد بالحضور الرقمي وحده، فالعيب الرئيسي في هذا الحضور أنه غالباً ما يبقى مرهوناً بالمنشور الأخير، وأنه يرتبط بأسلوب عمل الخوارزميات، وبمزاج جمهور لا عهد له ولا ذاكرة.

​ولذلك فإن بناء شرعية اجتماعية لنخب رقمية لا يضمن البقاء طويلاً؛ لأن ما يُبنى بالحضور وحده يسهل إسقاطه بالغياب.

​لكن النخب الحقيقية ساهمت في الخلط والارتباك عندما انكفأت وتنحت وتركت الساحة لعابري الصدفة الذين سرقوا الأضواء وتسيّدوا المشهد؛ فغاب أهل الثقل، وملأ الفراغَ كلُ ما هو خفيف.

​إن تراجع الإعلام المعاصر في حرب البدائل الرقمية الجديدة لا يتعلق بعجز في معايير الكفاءة والمهنة، بل بعوامل أخرى أهمها تلك التشريعات والقوانين التي صيغت في وقت اعتقد فيه المشرّع أنه حقق انتصاراً على حالة الانفلات في الرأي وضبط حرية التعبير، فإِذا به يطيح بمهنة الإعلام التي يُفترض بها أن تكون شريكاً في معارك الإصلاح والتنمية.

​ومع تدهور ملف حرية التعبير، دخلت المؤسسات في حالة فقدان السيطرة بسبب فوضى التدفق الرقمي، وبدلاً من تحصين الجبهة الإعلامية المهنية، يُطلبُ منها في الأزمات أن تفزَع للصالح العام ويداها مقيّدة إلى الخلف.

​فأي مواجهة، وأي واجب وطني يُطلب من الإعلام المهني بينما تُجرّده القوانين من أدوات الحركة والمناورة، حتى أصبح فرسان المهنة يُعَـدّون على الأصابع وتُرك الفراغُ للفارغين بلا وعي وبلا مسؤولية؟

​ولعل في عودة الجمهور إلى المؤسسات الإعلامية الرصينة في أوقات الأزمات والحروب لمعرفة رأي الخبير والعالم والمختص، دليل واضح على أن ثقة الناس بمصادر المعرفة الحقيقية في أوقات الخوف والقلق أكبر بكثير من ثقتهم بأصحاب الأداء والإثارة.

​فربما تكون هذه الحقيقة فرصة لدراسة إمكانية تطوير روافع تشريعية ترتقي بمهنة الإعلام لاستعادة دورها في تشكيل الرأي العام.

​وإلى ذلك الحين، تكمن الحكمة في عدم الانزلاق إلى السطحية وبالحفاظ على العمق والمصداقية لتصبح استعادة ثقة الجمهور طوق النجاة للإعلام، حين يسخر أدواته العصرية والذكية دون أن يتنازل عن قوة المضمون، ليمنح الجمهور المعنى الحقيقي والخبر اليقين.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم