القضاه يكتب: الملكة رانيا .. حين يصير الصوت الإنساني قوّةً عربية تُحرّك العالم

منذ 1 ساعة
المشاهدات : 13092
 القضاه يكتب: الملكة رانيا ..  حين يصير الصوت الإنساني قوّةً عربية تُحرّك العالم
د.عبدالله محمد القضاه

د.عبدالله محمد القضاه

في زمنٍ صار فيه الصوت العربي شبه مكتوم على المنابر الدولية، وباتت الرواية الغربية تكاد تحتكر مشهد الإعلام العالمي، تقف جلالة الملكة رانيا العبدالله شخصيةً عربية قليلة النظير، تُخاطب العالم بلغته التي يفهمها، وتلامس وجدانه من باب يجمع المصداقية والحضور والإحساس الصادق بهموم الناس.
ليست الملكة رانيا قرينةَ ملك تكتفي بأداء مراسم وواجبات، ولا وجهاً اجتماعياً يُستدعى في المناسبات. هي على مدى أكثر من عقدين شقّت طريقها بنفسها، وصنعت لها صوتاً يُسمع في أهم المنابر، ونسجت علاقات ممتدة في عواصم القرار وغرف الأخبار وصالونات الثقافة. وقد جاء اختيارها أول مناصِرة بارزة للأطفال من قبل اليونيسف ثمرةً طبيعية لسنوات طويلة من العمل في ملفات التعليم والطفولة والتنمية، لا منحةً بروتوكولية كما يظن البعض.
اللافت في تجربتها أنها لم تُقدّم القضايا العربية على هيئة ملفات سياسية جافة، بل أعادت تقديمها للعالم بوصفها قصصاً إنسانية. فحين كانت حلب تحت القصف، تحدّثت عن أطفالها قبل أن تتحدث عن سياقها السياسي. وحين تتالت المحن على المنطقة، استخدمت ما لديها من منابر دولية لتقول إن خلف كل عنوان في نشرات الأخبار بشراً يستحقون أن يعيشوا بكرامة.
أما في حرب غزة فقد بلغ هذا الدور ذروته. وقفت أمام كاميرات أكبر الشبكات الإخبارية، من CNN إلى BBC، وتحدثت بلغة هادئة وحجة صلبة عن أطفال يُقتلون تحت الركام، وعن أمهات يفقدن أبناءهن في لحظة، وعن مدارس ومستشفيات تتحول إلى أنقاض. ولم تكتفِ بسرد المأساة، بل واجهت الإعلام الغربي بأسئلته الخاصة، وفنّدت ازدواجية المعايير حين تعلّق الأمر بالأرواح العربية. مقابلاتها تلك تحولت إلى مادة يتداولها الملايين، وفتحت نافذةً نادرة أطلّ منها صوت عربي على الضمير العالمي.
ولعل ما أعطى كلامها وقعاً أعمق أنها لم تختر نبرة الخصومة، ولم ترفع لافتات حزبية. تحدثت بلغة القيم التي يدّعي العالم أنه يؤمن بها: حق الطفل في مدرسة، حق الأم في أن تنام مطمئنة على أبنائها، حق العائلة في سقف يحميها. وهذه اللغة بالذات هي التي تعبر الحدود وتتجاوز الفلاتر السياسية.
ومع كل هذا الحضور الدولي، ظلّت قدمها راسخةً في تربتها العربية. تُشارك في مناسبات المنطقة، وتُساند مشاريع التعليم والثقافة، وتُسارع إلى التعبير عن التضامن كلما حلّت كارثة أو ألمّت محنة، إيماناً منها بأن الأردن جزءٌ من نسيجٍ عربي لا ينفصل، وأن الصوت الذي يخرج من عمّان يحمل في طياته صدى العواصم العربية كلها.
قوة الملكة رانيا، في تقديري، لا تكمن في أنها مشهورة، فالشهرة وحدها لا تصنع أثراً. قوتها أنها حوّلت شهرتها إلى منبر يدافع عن إنسان عربي يُساء فهمه ويُختزل في صور نمطية. هي تُدرك أن المعركة اليوم تُخاض بالكلمة والصورة والقصة، لا بالبيانات الرسمية فقط، وأن من لا يملك روايته يصبح موضوعاً في رواية غيره.
وفي عالمٍ يضجّ بالضجيج ويفتقر إلى أصوات تجمع بين الرصانة والشجاعة والإحساس، يبقى حضور الملكة رانيا نموذجاً لما يمكن أن يكون عليه الصوت العربي حين يُحسن مخاطبة العالم: ثقةً بلا غطرسة، وألماً بلا ضعف، وانتماءً بلا انغلاق.
ليست كل الشخصيات التي تصل إلى العالم تنجح في تمثيل أوطانها، وليست كل الشخصيات التي تحظى بالشهرة توظفها لخدمة أمتها. لكن الملكة رانيا فعلت الأمرين معاً؛ فكانت للأردن صورة مشرقة، وللعرب صوتاً مسموعاً، وللقضايا الإنسانية وجهاً لا يعرف الصمت عندما تستدعي الكرامة الإنسانية أن يُقال الحق.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم