سرايا - "أنا بعالم وهي بعالم"، بهذه الكلمات عبر محمد (34 عاما) عن مدى الاختلاف بينه وبين زوجته، موضحا أنه من محبي السياسة ومتابعة الأخبار وأحداث العالم، لكنها لا تشاركه الاهتمام ذاته.
ويذكر محمد أنه حاول أن يشاركها هذا الاهتمام، إلا أنها كانت تختلف معه في كثير من الاراء، وكان الأمر ينتهي بخلافات كبيرة بينهما.
ويبين محمد أن خلافات كثيرة كانت تحدث بينهما بسبب انشغاله بمتابعة الأخبار وعدم تخصيص وقت كاف لها ولأطفاله، الأمر الذي زاد من الفجوة بينهما، وخلق أجواء من التوتر في حياتهما الأسرية، وأثر على أطفالهما.
ويعترف محمد بأنه كان يقضي ساعات طويلة في مكالمات هاتفية مع أصدقائه، يتبادلون خلالها التحليلات السياسية، ما خلق حالة من التوتر.
الاختلاف الكبير في اهتماماتهما كاد ينهي زواجهما، بحسب محمد، إلا أنه حاول أن يجد نقطة وسطى بينه وبين زوجته، وأن يصحح من سلوكه من أجل عائلته الصغيرة.
والحقيقة أن تعدد الآراء وتباين المواقف بين الأزواج قد يحول الاختلاف من حالة صحية إلى مصدر توتر حقيقي، خاصة إذا ترافق مع سلوكيات مثل الإهمال والانشغال المفرط.
وبحسب الخبراء، فإن المشكلة لا تكمن فقط في اختلاف الآراء، بل في طريقة إدارة الاختلاف داخل الحياة الزوجية، خاصة عندما يستخدم كمساحة للصراع بدلا من الحوار.
بدورها، تبين اختصاصية الإرشاد التربوي والنفسي والعلاقات الزوجية د. سلمى البيروتي، أنه من الطبيعي أن يكون لكل شريك رأي خاص به، وهذا يعود إلى عدة أسباب، منها طريقة التنشئة الاجتماعية، والاهتمامات والخبرات التي مر بها والبيئة التي تأثر بها، بالإضافة إلى مستوى تعليمه.
وتوضح البيروتي أن الإنسان يكون أفكاره ومشاعره تجاه الأحداث المحيطة به بناء على نظرته الخاصة وتفسيره لها، كما يتأثر بكيفية رؤية الآخرين للأمور وتحليلهم لها.
وتشير البيروتي إلى أن الأزواج الذين يتمتعون بالنضج العاطفي يدركون أن الاختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية، وهنا تبرز أهمية وعي الطرفين بأهمية تقبل الآخر باعتباره كيانا مستقلا له قيمته وأهميته واعتباره.
ووفقا لذلك، تؤكد البيروتي أن الاختلاف في الرأي هو مجرد اختلاف في وجهات النظر، لا ينبغي إصدار الأحكام عليه، بل يجب احترامه وفهمه والاستماع إلى الطرف الآخر، دون اللجوء إلى النقد الجارح أو التقليل من شأن الشريك أو قدراته أو التقزيم من آرائه.
وتوضح أن هذه الأساليب تؤدي إلى جعل النقاش حادا، وتخلق مساحة من التوتر بين الطرفين، وقد تتحول مع الوقت إلى نفور إذا استمر هذا النمط من التفاعل. لذلك من الضروري أن يتبنى كل طرف مبدأ أن الاختلاف أمر طبيعي ولا يشكل تهديدا للعلاقة، مما يساهم في الحفاظ على مساحة آمنة بينهما.
وتشدد البيروتي على أن أسلوب الحوار يعد عنصرا مهما أثناء النقاش، حيث يمكن لكل طرف أن يعبر عن رأيه بصيغة شخصية، مثل أن يقول "أنا أرى" أو "أعتقد" دون ادعاء امتلاك الحقيقة المطلقة، ودون اعتبار أن أي رأي مخالف هو موقف عدائي، فالتقبل هنا عنصر أساسي في نجاح الحوار.
ومن المفيد أن يتفق الطرفان على أن الهدف هو التحاور وتبادل الأفكار، وليس الدخول في صراع أو محاولة إثبات التفوق أو الانتصار في العلاقة، أو التقليل من شأن الطرف الآخر أو أفكاره.
وفي حال تصاعد النقاش وتحوله إلى خلاف، تنصح البيروتي بأن يبادر الطرف الأكثر وعيا إلى تهدئة الموقف، انطلاقا من إدراكه أن العلاقة أهم من الفكرة التي يدور حولها النقاش.
وتذكر البيروتي أن هناك عدة عوامل تجعل الاختلاف في الرأي يتحول من نقاش صحي إلى صراع، في مقدمتها أسلوب الحوار، إذ يجب أن يكون خاليا من الانتقاد الجارح أو الاستهزاء أو اللوم أو السخرية، سواء من آراء الشريك أو من شخصه.
فالتعبيرات مثل "أنت لا تفهم"، و"كيف تفكر بهذه الطريقة؟"، أو التقليل من شأن عقل الطرف الآخر، جميعها عبارات تؤدي بشكل مباشر إلى تصاعد الخلافات وتحولها إلى صراعات.
وتضيف البيروتي أن نبرة الصوت تلعب دورا مهما في الحوار، فالنبرة الحادة أو المرتفعة تثير الانزعاج والاستفزاز لدى الطرف الآخر، وقد تدفعه إلى ردود فعل سلبية.
وكذلك قد تسهم لغة الجسد في تصعيد الخلاف، إذ يمكن لبعض الإيماءات أو التعابير أن تفهم بشكل سلبي وتؤدي إلى توتر إضافي بين الطرفين.
ومن العوامل المهمة أيضا محاولة أحد الطرفين فرض السيطرة أو إثبات أنه الأكثر صوابا أو عقلانية، مما يدفعه إلى توجيه الاتهامات للطرف الآخر والتقليل من شأنه. ويتجلى ذلك في التفكير القائم على أن "من لا يوافقني الرأي فهو ضدي"، وهو نمط تفكير ينبغي التخلص منه لأنه لا يساهم في بناء علاقة صحية. بحسب البيروتي
وتشدد على ضرورة استبدال هذا الفكر بثقافة قائمة على احترام آراء الآخر والاستماع إليه، فالتفاهم يبدأ من القدرة على الإصغاء، ومن تقبل أن يكون لكل طرف وجهة نظر مختلفة، ويمكن التعبير عن ذلك بأسلوب هادئ، مثل: "أنا أحترم رأيك، لكنني أرى الأمر بطريقة مختلفة"، وهو ما يساعد في الحفاظ على جودة الحوار.
وأخيرا، يعد اختيار الوقت المناسب للنقاش عاملا أساسيا، بحسب البيروتي، فالدخول في حوار مع شخص متعب أو منزعج قد يؤدي إلى ردود فعل غير متوقعة وتصعيد الموقف دون سبب حقيقي. لذلك من الأفضل تهيئة الظروف المناسبة للنقاش لضمان أن يكون حوارا هادئا وبناء، لا سببا في خلق صراع جديد.
وفي إجابتها عن سؤال: "هل أصبح اختلاف الرأي بين الأزواج سببا فعليا للطلاق في الوقت الحالي؟"، تؤكد البيروتي أن الاختلاف في الرأي بين الأزواج، وإن بدا للبعض سببا مباشرا للطلاق، إلا أنه في الحقيقة ليس العامل الأساسي، بل قد يكون أحد العوامل المساهمة إلى جانب عوامل أخرى تعد الأسباب الجذرية الحقيقية للطلاق.
وتنوه إلى أن العديد من الدراسات تبين أن غياب التواصل الصحي بين الزوجين يعد من أبرز هذه الأسباب، بل إن هناك أزواجا لا يتواصلون إطلاقا، فلا يتحدثون عن مشكلاتهم أو حتى عن تفاصيل حياتهم اليومية، ويكتفون بوجود جسدي مشترك، في حين يغيب الحضور النفسي والروحي.
وبذلك قد يبدأ الإنسان بالبحث عن ذاته خارج هذه العلاقة، بحسب البيروتي، وهو أمر يعكس خللا عميقا. كما أن كثرة الانتقاد واستخدام أسلوب التهديد، كالتلويح المستمر بالطلاق، من الأمور التي تضعف العلاقة ولا يجوز الاستهانة بها.
وتضيف البيروتي أن غياب الدعم العاطفي، سواء داخل العلاقة أو أمام الآخرين، كأن لا يدعم الزوج زوجته أمام أهله، يزيد من الألم ويعمق جراح العلاقة بينهما.
ومن العوامل المهمة أيضا غياب المساحة الآمنة التي تتيح للزوجين التحدث بصراحة، والاعتراف بالأخطاء، وتقديم الاعتذار، فقول أحد الطرفين للآخر: "أنا أعتذر، لقد أخطأت"، له أثر كبير في ترميم العلاقة. ومن الضروري ألا نسمح للكبرياء أو الأنانية بأن تدمر العلاقة، فالعلاقة أهم من الأنا الشخصية.
والأهم، بحسب البيروتي، وضع حدود صحية أثناء النقاش، وتجنب الانزلاق إلى الصراع، والاتفاق على عدم خوض النقاشات في أوقات الغضب الشديد، بل اختيار الوقت المناسب للحوار.
ايضا، الاستئذان قبل بدء النقاش، واحترام حق كل طرف في أن يكون له رأي مختلف، والعمل على إدارة الخلافات بطريقة ناضجة تحافظ على الاحترام المتبادل، وتسهم في إعادة بناء المساحة الآمنة بين الزوجين.
من جانبه، بين الاستشاري الاجتماعي الأسري مفيد سرحان أن الاختلاف في الآراء ظاهرة صحية، فكل شخص يتمتع بعقل وفكر وثقافة وقراءة وخبرات حياتية خاصة به، ومن الطبيعي أن نختلف في الآراء والفكر والأحاسيس والفهم.
ولكن، بحسب سرحان، فإن أسوأ العقول هي التي تحول الاختلاف إلى خلاف. ومن المهم للجميع إدراك كيفية تأثير الاختلاف في وجهات النظر على العلاقات الشخصية والأسرية، إذ يمكن أن تؤدي إدارة الاختلافات بشكل صحيح إلى مناقشات مثمرة، بينما قد تؤدي إلى توتر وخلافات مستمرة إذا لم يتم التعامل معها بصورة مناسبة.
ووفقا لذلك، يفسر سرحان أن الأسرة السعيدة ليست تلك التي تخلو من الخلافات، وإنما التي تضم زوجين يعلمان كيف يختلفان دون أن يخسر كل منهما ود الآخر، أو ينتقص من رصيد احترامه له. فالخلافات قد توجد في كل بيت، والمهم كيف يدار الخلاف بفن وحب ولباقة.
ويذكر سرحان أن من أهم الوسائل وأنجحها التي تساعد على المحافظة على الأسرة واستقرارها، في ظل تفاوت وجهات النظر، خاصة في القضايا العامة، اتباع أسلوب الحوار بين أفراد الأسرة.
وفي ظل انتشار وسائل الاتصال الحديثة التي مكنت الجميع من سعة الاطلاع والمعرفة ومتابعة الأخبار والتطورات على مستوى العالم، أصبح الحوار داخل الأسرة مطلبا أكثر إلحاحا، بحسب سرحان.
ويبين أنه يجب على الزوجين إدراك أن الحوار الأسري وسيلة تربوية مهمة، إذ يساهم في بناء شخصية الأبناء وصقلها وتعليمهم مهارات متعددة، وبذلك يمكن نقل هذه المهارات إلى علاقاتهم مع الأصدقاء والمجتمع.
ويؤكد سرحان أنه إذا مارست الأسرة الحوار بصورة فاعلة، فإننا سنصل إلى مجتمع تسود فيه لغة الحوار والتفاهم وتبادل الآراء، مما يقوي المجتمع ويساهم في رفعته وتطوره والتقليل من المشكلات الاجتماعية.
ومن جهة أخرى، فإن غياب الحوار في القضايا العامة داخل الأسرة يزيد الفجوة بين الزوجين، وتكثر المشكلات، ويصبح الأطفال أكثر ميلا للعزلة والانشغال بوسائل التواصل الاجتماعي.
ولتجنب ذلك، من المهم الابتعاد عن الجدل ورفع الصوت، والمحافظة على هدوء الأعصاب، والحوار بمودة، واحترام شخصية الآخر، والإصغاء إليه، والابتعاد عن الكلام الجارح، والاعتماد على أسس منطقية.
ويذكر سرحان أن الاهتمام بالقضايا السياسية في بعض الأسر لا يكون مشتركا بين الزوجين أو بالدرجة نفسها، وهنا يجب ألا يكون جل الوقت مخصصا للقضايا السياسية أو لمتابعة الأخبار والتحليلات، بل إن حسن إدارة الوقت داخل الأسرة مسؤولية مشتركة للزوجين، وهو حق للأبناء أيضا.
وفي ختام حديثه، يؤكد أن النقاشات بين الزوجين يجب ألا تؤدي، في جميع الأحوال، إلى الخلاف والنزاع أو الإخلال بالواجبات الأسرية أو هدم الأسرة، فاستقرار الأسرة مهم للأمن الاجتماعي، والأمن الاجتماعي ضروري لقوة المجتمع وتماسكه ومنعته، خاصة في الظروف الصعبة.
اختلاف الآراء بين الأزواج .. متى تتحول السياسة إلى سبب للخلاف؟
منذ 1 ساعة
المشاهدات :
9760
وسوم:
شارك المقال:
الأكثر قراءة
01
02
03
04
05
آخر الأخبار
صحة و جمال
أعلى معدل منذ 20 عاماً .. "الكزاز" يفيق من سباته
منذ 1 ساعة
صحة و جمال
الأغذية الملوثة تحصد أرواح 1.5 مليون شخص سنوياً
منذ 1 ساعة
صحة و جمال
مراكز طبية امريكية جاهزة لمواجهة إيبولا رغم خطط بناء مرفق في كينيا
منذ 1 ساعة
صحة و جمال
اعتماد دواء مبتكر في الصين لعلاج سرطان الغدد الليمفاوية
منذ 3 ساعات
أخبار فنية
فن
نجوم الفن يزورون الفنان محيي إسماعيل
منذ 3 ساعات
فن
انطلاق تصوير "الفيل الأزرق 3" لكريم عبد العزيز
منذ 5 ساعات
فن
سيرين عبد النور تفجر غضبها بعد مزاعم التحرش بكريستيانو
منذ 5 ساعات
فن
مقطع "الصباحية" يقود البلوغر المصري "كروان مشاكل" للمحكمة
منذ 15 ساعة
فن
باللهجة المصرية .. ديو يجمع سعد لمجرد ومحمد شاكر لأول مرة
منذ 15 ساعة
أخبار رياضية
رياضة
خلل تقني يمنح مشجعين تذاكر "مجانية" لكأس العالم
منذ 7 دقائق
رياضة
الطموح يتجاوز الأرقام .. الأردن قبل الأخير في القيمة السوقية لمنتخبات مونديال 2026
منذ 2 ساعة
رياضة
أبرز أرقام المنتخبات العربية في كأس العالم
منذ 4 ساعات
رياضة
العراق يفرض التعادل 1-1 على إسبانيا وديا قبل كأس العالم
منذ 5 ساعات
رياضة
ساحل العاج تلحق هزيمة ودية مفاجئة بفرنسا
منذ 5 ساعات
منوعات من العالم
منوعات من العالم
مقتل أخطر 7 تجار مخدرات في صعيد مصر وإصابة ضابطين
منذ 1 ساعة
منوعات من العالم
واقعة مأسوية لسيدة أمام طفلها المراهق تنتهي بوفاتها في مصر
منذ 2 ساعة
منوعات من العالم
مقهى فريد من نوعه لمعرض النمل في بانكوك - صور
منذ 2 ساعة
منوعات من العالم
كيف تساهم في حماية البيئة؟ .. نصائح عملية للحد من الهدر والاستهلاك
منذ 3 ساعات
منوعات من العالم
أب يعذب أطفاله لإجبار زوجته على العودة في مصر
منذ 3 ساعات
الرجاء الانتظار ...
التعليقات