الطورة يكتب : لا تطلبوا الفضيلة من الجائعين!!

منذ 1 ساعة
المشاهدات : 17921
الطورة يكتب : لا تطلبوا الفضيلة من الجائعين!!
يوسف الطورة

يوسف الطورة

تستحضرني مقولة ابن خلدون: "إذا جاع الناس فسدت أخلاقهم"، والتي تتقاطع مع ما ذهب إليه فيودور دوستويفسكي حين قال: "أطعم الناس أولاً ثم طالبهم بالفضيلة".

وكأن الرجلين على الرغم من اختلاف الزمن والثقافة بينهما إلا أنهما التقيا عند حقيقة إنسانية عميقة، وهي أن الكرامة لا تزدهر في حضن الجوع، وأن الأخلاق لا تبنى على بطون خاوية.

فالجوع لا يسرق الخبز وحده بل ينتزع من الروح توازنها، ويربك في الإنسان مقياس الصواب والخطأ، وحين تضيق الحياة في لقمة العيش تصبح الفضيلة رفاهية يعجز عنها كثيرون، لا لأنهم يرفضونها بل لأن الحاجة تضغط عليهم حتى تكاد تطغى على كل ما سواها.

وعندما تتحول الحياة إلى معركة يومية من أجل لقمة العيش تتراجع الاعتبارات الأخرى أمام ضغط الحاجة، ويصبح البقاء هو الأولوية المطلقة.

لهذا لا يمكن النظر إلى الأخلاق بمعزل عن الظروف التي يعيشها الناس، حينما تنشغل الشعوب مطاردة قوتها اليومي وتكابد الفقر والعوز، لا تملك دائماً رفاهية التمسك بالمثاليات ذاتها التي يطالب بها من ينعم بالأمن والاستقرار.

ليس المقصود هنا تبرير الخطأ أو تزيين الانحراف، وإنما فهم السياق الذي يدفع بعض الأفراد إلى سلوكيات لم يكونوا ليختاروها في ظروف أكثر عدالة وإنصافاً.

ومن هنا فإن أي حديث جاد عن الإصلاح الأخلاقي يجب أن يسبقه حديث أكثر جدية عن العدالة الاجتماعية، وتكافؤ الفرص وضمان الحد الأدنى من العيش الكريم.

فالمجتمعات لا تبنى بالمواعظ وحدها، ولا تصان القيم بالشعارات فقط بل تحتاج إلى سياسات تضمن للإنسان حقه في العيش الأدمي.

لذلك قبل أن نحاسب الناس على أخلاقهم، وقبل أن نطالبهم بالمثاليات، علينا أن نسأل هل وجدوا ما يسد جوعهم ويحفظ كرامتهم؟، أم تركوا وحدهم ليصارعوا الحياة بأمعاء فارغة وقلوب مثقلة بالحاجة؟.

إن المجتمعات التي تريد للأخلاق أن تزدهر، عليها أولاً أن تؤمن للإنسان على الأقل الحد الأدنى من العيش الكريم، لأن العدالة الاجتماعية ليست نقيض الفضيلة، بل هي التربة التي تنبت فيها والشرط الأول لاستمرارها.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم