ماجد الفاعوري يكتب: الأردن ليس جائزة ترضية لأحد

منذ 1 ساعة
المشاهدات : 16599
ماجد الفاعوري يكتب: الأردن ليس جائزة ترضية لأحد
ماجد الفاعوري

ماجد الفاعوري

كلما تعثرت مشاريع التسوية وكلما ازداد مأزق الاحتلال الإسرائيلي وكلما انكشف عجز النخب الفلسطينية عن توحيد صفوفها وإنتاج مشروع وطني جامع يعود بعض المنظرين ليخرجوا من الأدراج القديمة وصفة سياسية انتهت صلاحيتها منذ عقود عنوانها إعادة وصل ما انقطع بين الأردن والضفة الغربية أو الترويج لكونفدرالية أو فيدرالية أو أي صيغة أخرى يُراد منها في النهاية تحميل الأردن فاتورة الفشل السياسي الذي تراكم عبر عقود طويلة
المشكلة ليست في حق أي شخص أن يطرح رأياً سياسياً مهما كان غريباً أو مستفزاً، بل في محاولة تسويق هذه الآراء باعتبارها حلولاً واقعية بينما هي في حقيقتها إعادة إنتاج للرواية الصهيونية ذاتها التي سعت منذ عقود إلى تفريغ فلسطين من مضمونها الوطني وتحويل الأردن إلى ساحة بديلة لحل المعضلة الديموغرافية والسياسية التي تعيشها إسرائيل
حين يقال إن الضفة الغربية كانت جزءاً من الأردن عام 1950 فإن هذا صحيح تاريخياً، لكن ما لا يقال هو أن الوحدة لم تكن احتلالاً أردنياً كما روّج البعض آنذاك، ولم تكن مشروعاً أبدياً كما يحاول البعض تصويرها اليوم. لقد جاءت نتيجة ظروف تاريخية معروفة، وجاءت أيضاً استجابة لرغبات وقيادات فلسطينية طالبت بها في ذلك الوقت. لكن الحقيقة التي يحاول البعض القفز فوقها أن الفلسطينيين أنفسهم هم الذين انتقلوا لاحقاً إلى مشروع سياسي مختلف عندما أصبحت منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني في قمة الرباط عام 1974
ومن ثم قرار فك الارتباط الذي جاء بطلب فلسطيني عربي عام 1988
فمنذ تلك اللحظة لم يعد الأردن ممثلاً سياسياً للفلسطينيين، ولم يعد أحد يستطيع المطالبة من الأردن بتحمل مسؤولية مشروع سياسي اختار أصحابه أن تكون لهم هويتهم التمثيلية المستقلة ومؤسساتهم المستقلة وقرارهم الوطني المستقل
الأغرب من ذلك أن بعض الأصوات التي تدعو اليوم إلى إحياء مشاريع الكونفدرالية تتجاهل حقيقة أساسية مفادها أن إسرائيل نفسها هي المستفيد الأول من هذه الطروحات
فكل خطوة تؤدي إلى تمييع الحدود بين الهوية الوطنية الأردنية والهوية الوطنية الفلسطينية تمثل هدية مجانية للمشروع الصهيوني الذي لطالما روّج لمقولة أن الأردن هو فلسطين وأن الفلسطينيين يملكون وطناً بديلاً شرق النهر
وهنا يصبح السؤال مشروعاً: هل نحن أمام اجتهادات سياسية بريئة أم أمام إعادة تدوير واعية أو غير واعية لأخطر سردية أنتجها اليمين الإسرائيلي منذ عقود؟
المشهد اليوم لم يعد يقتصر على بعض المقالات أو التصريحات هناك نخب سياسية وحزبية ما زالت تعتقد أن الطريق إلى فلسطين يمر عبر الأردن وهناك جمهور مؤدلج يتعامل مع الأردن باعتباره ساحة مؤقتة لا دولة نهائية وهناك من يسعى عمداً إلى تمييع الفرق بين المواطنة والهوية الوطنية حتى يصبح الاعتراض على مشاريع التوطين أو الوطن البديل تهمة بدلاً من أن يكون واجباً وطنياً
المواطنة شيء والهوية الوطنية شيء آخر
المواطنة حق دستوري وقانوني لا جدال فيه أما:
الهوية الوطنية: فهي الإطار التاريخي والسياسي والثقافي الذي قامت عليه الدولة الأردنية وعندما يجري الخلط بين المفهومين يصبح الطريق مفتوحاً أمام مشاريع هندسة سياسية لا تخدم إلا الاحتلال الإسرائيلي وأصحاب المشاريع العابرة للأوطان
وسط هذا الضجيج بقي الموقف الأردني الرسمي الأكثر وضوحاً وثباتاً. لم يتغير ولم يتبدل ولم يخضع للابتزاز أو الضغوط وقد عبّر جلالة الملك عبد الله الثاني عن هذا الموقف في أكثر من مناسبة عندما أكد لاءات الأردن التاريخية: لا للوطن البديل، لا للتوطين، لا للمساس بالوصاية الهاشمية، ولا لأي مشروع ينتقص من حقوق الفلسطينيين أو من سيادة الأردن وهويته الوطنية
هذه اللاءات ليست شعارات للاستهلاك الإعلامي، بل تمثل جوهر العقيدة السياسية للدولة الأردنية الحديثة. وهي التي حمت الأردن من كل محاولات التذويب والابتلاع طوال العقود الماضية
أما من يريد الحديث عن المستقبل، فليبدأ أولاً من السؤال الفلسطيني المؤجل منذ سنوات طويلة:
متى ينتهي الانقسام الفلسطيني؟
متى تتوحد المؤسسات الفلسطينية؟
متى يصبح هناك مشروع وطني فلسطيني واحد بدلاً من مشاريع متصارعة؟
متى تتوجه الطاقات نحو مواجهة الاحتلال بدلاً من البحث عن مخارج على حساب الآخرين؟
لا يجوز أن يتحول الأردن إلى شماعة تعلق عليها إخفاقات الانقسام الفلسطيني ولا يجوز أن يدفع الأردنيون ثمن عجز النخب الفلسطينية عن الاتفاق على برنامج سياسي موحد ولا يجوز أن تصبح الدولة الأردنية هدفاً دائماً لكل مشروع يبحث عن حل خارج فلسطين
لقد دفع الأردن دماً ومالاً ومواقف دفاعاً عن فلسطين أكثر مما فعل كثيرون ممن يزايدون عليه اليوم لكن
دعم فلسطين لا يعني الذوبان فيها
ومساندة الفلسطينيين لا تعني التخلي عن الأردن
والدفاع عن القدس لا يعني فتح الباب أمام مشاريع تهدد هوية الدولة الأردنية ومستقبلها
ولهذا فإن الرسالة التي يجب أن تُقال بوضوح لا يقبل التأويل هي أن الأردن سيبقى الأردن والعرش سيبقى هاشمياً والدولة الأردنية ليست مشروعاً انتقالياً ولا وطناً مؤقتاً ولا جائزة ترضية لأحد وفلسطين ستبقى فلسطين، ولن تتحرر بإلغاء الأردن ولا بتذويب هويته ولا بإعادة إنتاج مشاريع لفظها التاريخ
الأردنيون يعرفون جيداً أن حماية الأردن ليست موقفاً ضد فلسطين، بل هي حماية لفلسطين أيضاً لأن سقوط الأردن في فخ الوطن البديل يعني عملياً سقوط آخر الحواجز السياسية التي تقف في وجه المشروع الصهيوني الهادف إلى تصفية القضية الفلسطينية نهائياً
لهذا نقولها بوضوح لا يحتمل الالتباس: الأردن للأردنيين وفلسطين للفلسطينيين ومن أراد لفلسطين أن تنتصر فليبدأ بتوحيد البيت الفلسطيني أولاً،
أما الأردن فسيبقى كما كان دائماً دولة ذات سيادة وهوية وقيادة هاشمية وشعب يعرف جيداً أين يقف وأين تكمن مصلحته الوطنية
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم