يثير الاستغراب أن تصدر بعض التصريحات المثيرة للجدل عن شخصيات أمضت عقودًا طويلة في مواقع المسؤولية وصنع القرار، واستفادت من الدولة ومؤسساتها، ثم تأتي في سنواتها الأخيرة لتطلق أحكامًا تمس تاريخ الوطن أو هويته أو حتى شرعية وجوده السياسي.
فحين يتحدث مسؤول سابق شغل أرفع المناصب عن حدود الدولة أو نشأتها بلغة ساخرة أو مستفزة، فإن الأمر لا يُنظر إليه باعتباره رأيًا عابرًا، بل بوصفه موقفًا يحمل دلالات سياسية وفكرية عميقة. فالمناصب العليا ليست مجرد وظائف مؤقتة، بل هي مواقع أمانة يفترض أن تعكس قناعة بالدولة واحترامًا لرموزها وتاريخها وثوابتها الوطنية.
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: إذا كان صاحب هذه الآراء يحملها منذ سنوات طويلة، فأين كان يعبر عنها عندما كان في قلب القرار؟ وإذا كانت قناعاته قد تبدلت لاحقًا، فما الذي دفعه إلى ذلك؟ وفي الحالتين يبقى من حق الناس أن يتساءلوا عن مدى انسجام الأقوال الحالية مع سنوات طويلة من العمل تحت راية الدولة والاستفادة من ثقتها ومكانتها.
الأردن لم يكن يومًا مجرد خطوط على خريطة، بل هو تاريخ من التضحيات وبناء المؤسسات والكفاح الوطني. وحدوده لم تصنعها الصدفة وحدها، بل رسختها إرادة شعب وجيش وقيادة عبر أكثر من قرن من الزمن. لذلك فإن أي حديث ينتقص من هذه الحقائق أو يستخف بها يثير حساسية مشروعة لدى الأردنيين الذين يرون في وطنهم أكثر من مجرد جغرافيا، بل هوية وانتماء وتاريخ ومستقبل.
لكن القضية لا يجب أن تتوقف عند حدود تصريح أو موقف فردي، بل أن تدفعنا إلى مراجعة أعمق تتعلق بمعايير اختيار المسؤولين وصناع القرار، ومدى وضوح انتمائهم للدولة وإيمانهم بثوابتها الوطنية. فالمسؤولية العامة ليست امتيازًا شخصيًا، بل عهدٌ مع الوطن، وأي خلل في هذا الميزان قد تظهر آثاره بعد سنوات طويلة.
أما القضية الحقيقية فلا تكمن في تصريح عابر أو رأي متأخر، بل في سؤال أعمق يتعلق بالمصالح الوطنية العليا. فالدول لا تُبنى على الأشخاص بل على الولاء الصادق لمؤسساتها وثوابتها، ولا يجوز أن تصبح المواقع العامة جسورًا لتحقيق المصالح الخاصة أو بوابات لعبور أصحاب المشاريع الشخصية. وعندما تتعارض قناعات المسؤول أو مصالحه مع مصلحة الوطن، فإن الخاسر الأكبر يكون الدولة والمجتمع معًا.
لذلك فإن المعيار الذي يجب أن يُحاسَب عليه كل من تولى مسؤولية عامة ليس ما يقوله بعد خروجه من المنصب، بل ما قدمه للوطن أثناء وجوده فيه، ومدى التزامه بحماية هويته واستقراره ومصالحه الاستراتيجية. فالأوطان أكبر من الأفراد وأبقى منهم جميعًا، والتاريخ لا يتذكر المناصب والألقاب بقدر ما يتذكر من صانوا المصلحة الوطنية ووضعوها فوق كل اعتبار، ومن جعلوا الوطن وسيلة لتحقيق مصالحهم الخاصة.
وعند هذه النقطة تحديدًا، يصبح السؤال المؤجل واجبًا: هل كانت البوصلة دائمًا تشير إلى الأردن ومصالحه العليا، أم أن بعض البوصلات كانت تتجه نحو حسابات أخرى لم ندرك حقيقتها إلا بعد أن انتهى أصحابها من أدوارهم، وبدأت الحقائق تتكشف تباعًا... ولكن بعد فوات الأوان؟
عايدة معايطة
فحين يتحدث مسؤول سابق شغل أرفع المناصب عن حدود الدولة أو نشأتها بلغة ساخرة أو مستفزة، فإن الأمر لا يُنظر إليه باعتباره رأيًا عابرًا، بل بوصفه موقفًا يحمل دلالات سياسية وفكرية عميقة. فالمناصب العليا ليست مجرد وظائف مؤقتة، بل هي مواقع أمانة يفترض أن تعكس قناعة بالدولة واحترامًا لرموزها وتاريخها وثوابتها الوطنية.
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: إذا كان صاحب هذه الآراء يحملها منذ سنوات طويلة، فأين كان يعبر عنها عندما كان في قلب القرار؟ وإذا كانت قناعاته قد تبدلت لاحقًا، فما الذي دفعه إلى ذلك؟ وفي الحالتين يبقى من حق الناس أن يتساءلوا عن مدى انسجام الأقوال الحالية مع سنوات طويلة من العمل تحت راية الدولة والاستفادة من ثقتها ومكانتها.
الأردن لم يكن يومًا مجرد خطوط على خريطة، بل هو تاريخ من التضحيات وبناء المؤسسات والكفاح الوطني. وحدوده لم تصنعها الصدفة وحدها، بل رسختها إرادة شعب وجيش وقيادة عبر أكثر من قرن من الزمن. لذلك فإن أي حديث ينتقص من هذه الحقائق أو يستخف بها يثير حساسية مشروعة لدى الأردنيين الذين يرون في وطنهم أكثر من مجرد جغرافيا، بل هوية وانتماء وتاريخ ومستقبل.
لكن القضية لا يجب أن تتوقف عند حدود تصريح أو موقف فردي، بل أن تدفعنا إلى مراجعة أعمق تتعلق بمعايير اختيار المسؤولين وصناع القرار، ومدى وضوح انتمائهم للدولة وإيمانهم بثوابتها الوطنية. فالمسؤولية العامة ليست امتيازًا شخصيًا، بل عهدٌ مع الوطن، وأي خلل في هذا الميزان قد تظهر آثاره بعد سنوات طويلة.
أما القضية الحقيقية فلا تكمن في تصريح عابر أو رأي متأخر، بل في سؤال أعمق يتعلق بالمصالح الوطنية العليا. فالدول لا تُبنى على الأشخاص بل على الولاء الصادق لمؤسساتها وثوابتها، ولا يجوز أن تصبح المواقع العامة جسورًا لتحقيق المصالح الخاصة أو بوابات لعبور أصحاب المشاريع الشخصية. وعندما تتعارض قناعات المسؤول أو مصالحه مع مصلحة الوطن، فإن الخاسر الأكبر يكون الدولة والمجتمع معًا.
لذلك فإن المعيار الذي يجب أن يُحاسَب عليه كل من تولى مسؤولية عامة ليس ما يقوله بعد خروجه من المنصب، بل ما قدمه للوطن أثناء وجوده فيه، ومدى التزامه بحماية هويته واستقراره ومصالحه الاستراتيجية. فالأوطان أكبر من الأفراد وأبقى منهم جميعًا، والتاريخ لا يتذكر المناصب والألقاب بقدر ما يتذكر من صانوا المصلحة الوطنية ووضعوها فوق كل اعتبار، ومن جعلوا الوطن وسيلة لتحقيق مصالحهم الخاصة.
وعند هذه النقطة تحديدًا، يصبح السؤال المؤجل واجبًا: هل كانت البوصلة دائمًا تشير إلى الأردن ومصالحه العليا، أم أن بعض البوصلات كانت تتجه نحو حسابات أخرى لم ندرك حقيقتها إلا بعد أن انتهى أصحابها من أدوارهم، وبدأت الحقائق تتكشف تباعًا... ولكن بعد فوات الأوان؟
عايدة معايطة
شارك المقال:
الرجاء الانتظار ...
التعليقات