سرايا - في العلاقات الشخصية والاجتماعية، غالباً ما يثير الأشخاص الذين يروون قصصاً متكررة عن الظلم أو الخذلان تعاطف من حولهم بصورة تلقائية. فالاستماع إلى شخص يتحدث عن تجارب مؤلمة أو فرص ضائعة أو علاقات فاشلة يدفع الآخرين عادة إلى تقديم الدعم والمساندة ومحاولة المساعدة. لكن ماذا يحدث عندما لا تقود هذه الحكايات إلى أي تغيير أو حل، وتبقى تدور حول النقاط نفسها مراراً وتكراراً؟
ومن هنا تطرح الباحثة والمعالجة النفسية إليزابيث لي هذا السؤال في تحليلها لأحد الأنماط السلوكية المعقدة داخل العلاقات الإنسانية، حيث ترى أن بعض الأشخاص لا يكتفون بسرد معاناتهم، بل يوظفون موقع «الضحية» بطريقة تؤثر تدريجياً في سلوك المحيطين بهم وتعيد تشكيل العلاقة لصالحهم.
ووفقاً للي، لا يتعلق الأمر دائماً بالكذب أو اختلاق الأحداث، بل بالطريقة التي تُستخدم بها تجارب الألم والخيبة لاستقطاب الاهتمام والتعاطف والحفاظ علىهما، حتى عندما لا يكون هناك سعي حقيقي لحل المشكلة أو تجاوزها.
فبحسب لي، هناك أشخاص لا يكتفون بسرد ما تعرضوا له من أذى، بل يبنون جزءاً كبيراً من هويتهم وعلاقاتهم حول موقع «الضحية». ومع مرور الوقت، لا يعود الأمر مجرد رواية لتجربة مؤلمة، بل يتحول إلى أسلوب يؤثر في الآخرين ويعيد تشكيل طبيعة العلاقة معهم.
عندما تصبح المعاناة محور كل شيء
توضح لي أن القصص التي يرويها هؤلاء الأشخاص ليست بالضرورة مختلقة. ففي كثير من الحالات تكون الأحداث حقيقية بالفعل: والدان صعبان، علاقة عاطفية مخيبة للآمال، فرصة ضائعة، أو تجربة شعر فيها الشخص بأنه لم يُعامل بعدالة، وفقا لموقع موقع سيكولوجي تودي.
لكن المشكلة، وفقاً لها، لا تكمن في الحدث نفسه، بل في الطريقة التي يُعاد بها استحضاره باستمرار. فمع مرور الوقت تصبح تلك التجارب أكثر مركزية في حياة الشخص مما تستحق، وتتحول إلى تفسير دائم لكل ما لا يسير على ما يرام في الحاضر.
وفي البداية يبدو رد فعل المحيطين طبيعياً تماماً؛ إذ يستمعون ويحاولون التفهم، وربما يشعرون بالتعاطف أو الرغبة في المساعدة. وقد يجد بعضهم نفسه يفكر في مشكلات ذلك الشخص أكثر مما توقع، محاولاً إيجاد حلول أو تقديم دعم مستمر له.
لكن لي تشير إلى أن مراقبة مسار العلاقة لفترة أطول تكشف شيئاً مختلفاً. فالحوارات لا تتجه نحو الحل أو التغيير، بل تعود دائماً إلى النقطة نفسها، حيث يبقى الألم في مركز المشهد، بينما يصبح دور الطرف الآخر أكثر وضوحاً بوصفه المستمع أو المنقذ أو مصدر الدعم الدائم.
ما وراء صورة الضحية
ترى لي أن ما يختبئ أحياناً خلف هذا السلوك ليس الضعف فقط، بل نوع من الاستحقاق غير المعلن.
فبعض الأشخاص يتعاملون مع الحياة وكأنهم كانوا يستحقون منذ البداية قدراً أكبر من الاهتمام أو الحب أو الفرص أو التقدير. وعندما لا يحصلون على ذلك، لا يفسرون الأمر باعتباره جزءاً من تعقيدات الحياة أو نتيجة ظروف مختلفة، بل باعتباره ظلماً وقع عليهم.
وتضرب أمثلة على ذلك بأسئلة متكررة قد تظهر في حديثهم: لماذا لم يساعدني أحد؟ لماذا لم يمنحني الآخرون فرصة استثنائية؟ لماذا لا يبادلني هذا الشخص المشاعر نفسها رغم أنني أحبه؟
وعندما تصطدم هذه التوقعات بالواقع، لا يكون الشعور مجرد خيبة أمل، بل قد يتحول إلى إحباط أو غضب أو شعور دائم بالمرارة. وبدلاً من التساؤل عما يمكن تغييره أو فعله بصورة مختلفة، يتم توجيه اللوم إلى الظروف أو الأشخاص المحيطين.
الضحية صفة مريحة
تشرح لي أن تبني موقع الضحية يوفر لصاحبه مزايا نفسية واجتماعية مهمة. فحين يُقدَّم الموقف على أنه ظلم أو معاناة، يصبح طلب المساعدة أو الاهتمام أمراً مبرراً، بل يبدو وكأنه تصحيح لخطأ ارتكبه الآخرون أو الحياة نفسها.
لكن المفارقة أن الصورة لا تبقى ثابتة دائماً. فحين تبدأ الأمور بالسير في الاتجاه الذي يريده الشخص، تتراجع رواية الضحية إلى الخلف، ويظهر خطاب مختلف تماماً.
ففي هذه اللحظات قد يقدم نفسه بوصفه شخصاً مميزاً أو موهوباً أو استثنائياً، وكأن نجاحه كان أمراً طبيعياً كان ينتظر فقط أن يلاحظه الآخرون.
وبحسب لي، فإن الصورتين تتعايشان جنباً إلى جنب. فعندما تفشل الأمور يكون الشخص ضحية تعرضت للخذلان، وعندما تنجح يصبح شخصاً استثنائياً كان يستحق النجاح منذ البداية. وما يبقى ثابتاً في الحالتين هو الاعتقاد بأنه كان يجب أن يكون في موقع أفضل مما هو عليه الآن.
كيف تصبح العلاقة من طرف واحد؟
تحذر لي من أن أخطر ما في هذا النمط أنه لا يظهر بصورة مباشرة.
فالعلاقة تبدأ غالباً بشكل طبيعي، ثم يجد الطرف الآخر نفسه يقدم المزيد من الوقت والاهتمام والطاقة النفسية. وقد يعرض نصائح أو حلولاً أو حتى مساعدة عملية. كما قد يمنح مساحة ذهنية كبيرة للتفكير المتكرر في مشكلات ذلك الشخص.
المشكلة أن هذا العطاء لا يبدو مفروضاً عليه، بل يبدو وكأنه خيار شخصي نابع من التعاطف.
لكن عند التوقف للتأمل، يلاحظ أن اتجاه العلاقة يسير غالباً في مسار واحد: طرف يتلقى باستمرار، وطرف يمنح باستمرار.
ولأن كل شيء يُقدَّم تحت عنوان المعاناة أو الأذى، قد لا ينتبه الطرف الآخر سريعاً إلى اختلال التوازن في العلاقة.
عندما لا يكون الهدف حل المشكلة
وتشير لي إلى علامة مهمة قد تكشف هذا النمط بوضوح.
فعندما يتحدث الشخص عن مشكلة في علاقة عاطفية أو اجتماعية، قد يقدم تفاصيل كافية لإثارة القلق لدى من يستمع إليه. فيبدأ المستمع بتحليل الوضع وتقديم النصائح ومحاولة حمايته من الأذى المحتمل.
لكن بمجرد أن ينخرط في هذا الدور، يحدث تحول مفاجئ. فالمخاوف التي عبّر عنها قد تُقلل أهميتها أو يُعاد تفسيرها أو تُرفض بالكامل. وقد يبدأ الشخص نفسه بالدفاع عن الطرف الذي اشتكى منه قبل قليل.
وتوضح لي أن هذا النمط يوحي بأن الهدف لم يكن الوصول إلى حل فعلي للمشكلة، بل جذب الانتباه والاهتمام والاستثمار العاطفي من الآخرين.
وفي بعض الحالات، قد يتم تضخيم المشكلات أو إبرازها بصورة أكبر من حجمها الحقيقي لأنها توفر وسيلة فعالة للحفاظ على اهتمام الآخرين واستمرار انخراطهم العاطفي.
لا مكان مريحاً للطرف الآخر
تخلص لي إلى أن العلاقات التي تقوم على هذا النمط تضع الطرف الآخر في موقف مربك باستمرار.
فإذا لم يتفاعل مع المشكلة بدا وكأنه غير مبالٍ. وإذا تفاعل وأظهر اهتماماً أو قدم نصيحة، قد يُتهم بأنه أساء الفهم أو بالغ في رد فعله.
وبذلك يجد نفسه في معادلة يصعب النجاح فيها، لأنه مهما فعل سيبدو وكأنه لم يقدم ما يكفي.
ومن هنا ترى الباحثة أن فهم هذه الديناميكيات لا يساعد فقط على التعرف إلى بعض أنماط السلوك التلاعبية، بل يساعد أيضاً على حماية الحدود الشخصية ومنع استنزاف الطاقة العاطفية في علاقات لا تتجه فعلياً نحو الحل أو التغيير.
إقرأ ايضاَ
شارك المقال:
الأكثر قراءة
01
02
03
04
05
آخر الأخبار
منوعات من العالم
كيف يسيطر النرجسي أو المتلاعب على ضحاياه؟
منذ 1 ساعة
منوعات من العالم
ليس الدماغ! .. دراسة تكشف سببا مفاجئا للخوف من المرتفعات
منذ 5 ساعات
منوعات من العالم
هل الثقة بالنفس دائما جيدة؟ .. رأي طبيب نفسي يثير الجدل
منذ 5 ساعات
منوعات من العالم
ارتفاع حصيلة "إيبولا" في الكونغو إلى 282 حالة
منذ 5 ساعات
أخبار فنية
فن
المخرج السوري محمد عبد العزيز يكشف تفاصيل خلافه مع كاريس بشار
منذ 16 دقيقة
فن
تامر حسني يوجّه رسالة الى مي عز الدين بعد تصريحاتها عنه-صورة
منذ 2 ساعة
فن
نادين نسيب نجيم تستعرض تحضيراتها لحضور مسلسل "ممكن"
منذ 3 ساعات
فن
لفتة وفاء .. أنغام تُبكي الجمهور بأغنية لهاني شاكر
منذ 4 ساعات
فن
مي عز الدين تتحدث عن زوجها والإنجاب والمرض وغيابها عن الدراما
منذ 6 ساعات
أخبار رياضية
رياضة
مونديال 2026: استبعاد المهاجم سردار أزمون عن القائمة النهائية لمنتخب إيران
منذ 23 دقيقة
رياضة
دافيد أنشيلوتي مدربا جديداً لنادي ليل الفرنسي
منذ 3 ساعات
رياضة
لم أعد قادرا على المشي .. نجم برشلونة السابق يكشف كواليس اعتزاله المأساوي
منذ 3 ساعات
رياضة
بعد خروج الملف من وزارة الشباب .. الضباب ينقشع خلال أيام حول الحنيطي وسداد لإدارة النادي الفيصلي
منذ 5 ساعات
رياضة
محمد صلاح يفاجئ لاعب منتخب مصر بهدية ثمينة
منذ 6 ساعات
منوعات من العالم
منوعات من العالم
كيف يسيطر النرجسي أو المتلاعب على ضحاياه؟
منذ 1 ساعة
منوعات من العالم
ليس الدماغ! .. دراسة تكشف سببا مفاجئا للخوف من المرتفعات
منذ 5 ساعات
منوعات من العالم
هل الثقة بالنفس دائما جيدة؟ .. رأي طبيب نفسي يثير الجدل
منذ 5 ساعات
منوعات من العالم
ارتفاع حصيلة "إيبولا" في الكونغو إلى 282 حالة
منذ 5 ساعات
الرجاء الانتظار ...
التعليقات