الثقة بالمستقبل ليست قضية نفسية أو اجتماعية فحسب، بل أحد أهم مقومات قوة الدولة واستقرارها. والتحدي الحقيقي اليوم لا يكمن في إدارة الحاضر فقط، بل في الحفاظ على إيمان الأجيال القادمة بأن الاجتهاد ما زال طريقاً مشروعاً نحو حياة أفضل.
ليست قوة الدول في قدرتها على إدارة حاضرها فحسب، بل في قدرتها على إقناع أبنائها بأن المستقبل يستحق الانتظار والعمل من أجله. وحين تبدأ الأسئلة حول الغد بالتكاثر أكثر من الإجابات، وحين يصبح القلق على مستقبل الأبناء حديثاً يومياً في بيوت الأردنيين، يصبح من الضروري أن نتوقف أمام هذه الظاهرة بجدية، لأنها لا تتعلق بالاقتصاد وحده، بل بمستوى الثقة بالمستقبل.
هذا السؤال لا يُطرح في الندوات الاقتصادية ولا في تقارير المؤسسات الدولية بقدر ما يتردد في بيوت الأردنيين. فالسؤال الذي يشغل كثيرين اليوم هو: ماذا ينتظر أبناءنا في المستقبل؟
ومن الإنصاف القول إن هذا القلق ليس وهماً ولا مبالغة. فالضغوط الاقتصادية حقيقية، والبطالة بين الشباب تمثل تحدياً وطنياً مقلقاً، كما أن كلف الحياة أصبحت أكثر قسوة على شرائح واسعة من المجتمع. لكن الخطأ يكمن في اختزال القضية كلها بالأرقام والمؤشرات، لأن الأرقام لا تروي القصة كاملة. فقد تتحسن بعض المؤشرات الاقتصادية بينما يبقى الشعور بالقلق قائماً، وقد يحقق الاقتصاد نمواً دون أن يلمس المواطن أثراً مباشراً لذلك في حياته اليومية.
من هنا تبدو الحاجة إلى إعادة تعريف المشكلة. فالأردن لا يواجه أزمة موارد فقط، ولا أزمة فرص فقط، بل يواجه ما يمكن وصفه بأزمة التوقعات المستقبلية. فكلما اتسعت الفجوة بين ما يحلم به الشباب وما يعتقدون أن الواقع قادر على تحقيقه، تزايد الشعور بالإحباط والقلق. فالناس لا يعيشون بالأرقام وحدها، بل يعيشون أيضاً بما يتوقعونه من الغد.
ولا يمكن فهم هذا القلق المتزايد دون التوقف عند اتساع الفجوة بين طموحات الشباب والفرص المتاحة أمامهم. فالمشكلة ليست في غياب الرغبة بالعمل، بل في تراجع القناعة بأن الاجتهاد وحده يكفي للوصول إلى حياة أكثر استقراراً. والأردنيون طالما تحملوا الصعاب، لكنهم يحتاجون إلى أن يروا طريقاً واضحاً يربط بين الصبر والأمل.
فالشعوب تستطيع أن تتحمل الأعباء حين ترى وجهتها، لكنها تفقد ثقتها بالمستقبل عندما يطول الانتظار وتغيب ملامح الطريق.
ولم تتراجع الثقة بالمستقبل بسبب عامل واحد أو ظرف طارئ، بل نتيجة تراكمات امتدت لسنوات. فكلما اتسعت الفجوة بين ما يتوقعه الشباب من مستقبلهم وما يرونه متاحاً أمامهم في الواقع، تزايد الشعور بالقلق والإحباط. كما أن غياب صورة واضحة للمسار الذي يربط بين الجهد والفرصة، وبين الصبر والنتيجة، جعل كثيرين يشعرون بأن الطريق أصبح أكثر غموضاً مما كان عليه بالنسبة للأجيال السابقة. ولهذا فإن استعادة الثقة لا تتحقق بالشعارات أو الأمنيات، بل بترسيخ العدالة في الفرص، وإبراز نماذج النجاح الحقيقية، وتعزيز القناعة بأن الاجتهاد ما زال قادراً على صناعة مستقبل أفضل.
لكن هناك مؤشراً آخر أقل ظهوراً وأكثر أهمية، يتمثل في مستوى ثقة الشباب بأن مستقبلهم سيكون أفضل من حاضرهم. فحين تتراجع هذه الثقة تبدأ الهجرة بالتحول إلى حلم، ويتحول الانتظار إلى إحباط، وتفقد المجتمعات جزءاً من طاقتها وقدرتها على المبادرة والإبداع.
ولعل أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مجتمع هو أن يبدأ شبابه بالاعتقاد أن حياتهم بعد عشر سنوات لن تكون أفضل من حياتهم اليوم، مهما اجتهدوا أو تعلموا أو عملوا. عند هذه النقطة لا تصبح البطالة مجرد مشكلة اقتصادية، بل تتحول إلى أزمة ثقة. ولا يعود الحديث عن الوظائف حديثاً عن الدخل فقط، بل عن الإيمان بقيمة الجهد ذاته.
أما في الأردن، فإن المحافظة على الأمن والاستقرار طوال عقود كانت إنجازاً وطنياً واستراتيجياً لا يجوز التقليل من أهميته، خاصة في إقليم لم يعرف كثيراً من الاستقرار. لكن التحدي الجديد لم يعد يقتصر على حماية الدولة من الأخطار الخارجية، بل يتطلب بناء ثقة داخلية متجددة لدى الأجيال الصاعدة. فجيل اليوم لا يكتفي بالشعور بالأمان، بل يريد أن يرى مستقبله أيضاً.
وربما تكمن المشكلة الأعمق في أن كثيراً من الآباء باتوا يخشون على مستقبل أبنائهم أكثر مما خافوا على مستقبلهم هم أنفسهم. فجيل الآباء كان يؤمن أن الحياة تتحسن بالتدريج، وأن الجهد يفتح الأبواب المغلقة. أما اليوم، فإن السؤال الذي يتردد في بيوت كثيرة ليس كيف نعيش الحاضر فقط، بل كيف نضمن للأبناء مستقبلاً يوازي أحلامهم وطموحاتهم.
وهنا يجب أن نكون واضحين. فالشباب الأردني لا يطلب المستحيل، ولا يبحث عن الثراء السريع، ولا ينتظر معجزات اقتصادية. إنه يريد أن يشعر أن هناك علاقة عادلة بين الاجتهاد والنتيجة، وبين الكفاءة والفرصة، وبين الانتماء للوطن وإمكانية بناء حياة كريمة فيه. وعندما تصبح هذه العلاقة واضحة وملموسة، يعود الأمل تلقائياً دون حاجة إلى خطابات أو شعارات.
إن التحدي الوطني الحقيقي خلال السنوات القادمة لن يكون فقط في تحسين الأرقام الاقتصادية، بل في استعادة الثقة بأن المستقبل ما زال مفتوحاً أمام الأردنيين. فالثقة ليست شعوراً معنوياً عابراً، بل أصل استراتيجي لا يقل أهمية عن أي مورد اقتصادي أو إنجاز سياسي. وعندما يشعر المواطن أن الغد يمكن أن يكون أفضل، فإنه يستثمر أكثر، ويتعلم أكثر، ويتمسك بوطنه أكثر، ويصبح شريكاً في صناعة النجاح لا مجرد منتظر له.
لقد أثبت الأردني، عبر تاريخه، أنه قادر على الصبر وتحمل الشدائد، لكنه يحتاج اليوم إلى ما هو أكثر من الصبر؛ يحتاج إلى أن يرى الطريق. فحين يلتقي الاستقرار بالفرصة، ويلتقي الانتماء بالأمل، يصبح المستقبل مشروعاً وطنياً يشارك الجميع في بنائه، لا مجرد أمنية يتداولها الناس في أحاديثهم.
فالدول لا تُقاس فقط بما تملكه من موارد، بل بما تزرعه في نفوس أبنائها من ثقة. وحين يبقى الأردني مؤمناً بأن جهده يمكن أن يصنع مستقبله في وطنه، فإننا نكون قد حافظنا على أثمن رأس مال تملكه الدولة: إيمان أبنائها بها.
فحين يستطيع الأب أن ينظر إلى ابنه بثقة ويقول له: «تعبك لن يضيع.» نكون قد كسبنا معركة المستقبل .
اللواء الركن م/ طلال الغبين
شارك المقال:
الأكثر قراءة
01
02
03
04
05
آخر الأخبار
كُتاب سرايا
القهيوي يكتب: الخوف من التغيير… كيف تخسر الدول مستقبلها بصمت؟
منذ 2 ساعة
كُتاب سرايا
د. دانييلا القرعان تكتب: حين يفشل المدير العام في كسب فريقه… من يقيّم القيادة في مؤسساتنا؟
منذ 2 ساعة
كُتاب سرايا
ماهر البطوش يكتب: حين تفقد المؤسسة الرسمية لغتها
منذ 3 ساعات
كُتاب سرايا
د. علي فواز العدوان يكتب: السردية الأردنية .. حكاية وطن وصناعة هوية
منذ 4 ساعات
أخبار فنية
فن
تامر حسني يوجّه رسالة الى مي عز الدين بعد تصريحاتها عنه-صورة
منذ 59 دقيقة
فن
نادين نسيب نجيم تستعرض تحضيراتها لحضور مسلسل "ممكن"
منذ 1 ساعة
فن
لفتة وفاء .. أنغام تُبكي الجمهور بأغنية لهاني شاكر
منذ 3 ساعات
فن
مي عز الدين تتحدث عن زوجها والإنجاب والمرض وغيابها عن الدراما
منذ 5 ساعات
فن
فنانة عربية شهيرة تعلن إصابتها بالسرطان
منذ 7 ساعات
أخبار رياضية
رياضة
دافيد أنشيلوتي مدربا جديداً لنادي ليل الفرنسي
منذ 2 ساعة
رياضة
لم أعد قادرا على المشي .. نجم برشلونة السابق يكشف كواليس اعتزاله المأساوي
منذ 2 ساعة
رياضة
بعد خروج الملف من وزارة الشباب .. الضباب ينقشع خلال أيام حول الحنيطي وسداد لإدارة النادي الفيصلي
منذ 4 ساعات
رياضة
محمد صلاح يفاجئ لاعب منتخب مصر بهدية ثمينة
منذ 5 ساعات
رياضة
كأس العالم 2026 .. أهم 10 مباريات في دور المجموعات
منذ 5 ساعات
منوعات من العالم
منوعات من العالم
كيف يسيطر النرجسي أو المتلاعب على ضحاياه؟
منذ 27 دقيقة
منوعات من العالم
لماذا يرى بعض الأشخاص أنفسهم دائماً ضحايا؟
منذ 33 دقيقة
منوعات من العالم
ليس الدماغ! .. دراسة تكشف سببا مفاجئا للخوف من المرتفعات
منذ 3 ساعات
منوعات من العالم
هل الثقة بالنفس دائما جيدة؟ .. رأي طبيب نفسي يثير الجدل
منذ 4 ساعات
منوعات من العالم
ارتفاع حصيلة "إيبولا" في الكونغو إلى 282 حالة
منذ 4 ساعات
الرجاء الانتظار ...
التعليقات