الخوالدة يكتب: أبجديات الصحة: النفس والغذاء والنشاط البدني

منذ 2 ساعة
المشاهدات : 12895
 الخوالدة يكتب: أبجديات الصحة: النفس والغذاء والنشاط البدني
د. زيد إحسان الخوالدة

د. زيد إحسان الخوالدة

كم من إنسان يبحث عن دواء لمرضه، بينما يجلس المرض إلى مائدته كل يوم؟ وكم من شخص يراجع العيادات والصيدليات، في الوقت الذي تغيب فيه عن حياته أبسط قواعد التوازن بين النفس والغذاء والحركة؟

الصحة ليست رقماً على جهاز الضغط فقط، ولا نتيجة تحليل سكر، ولا وزناً مثالياً على ميزان المنزل. الصحة حالة من الانسجام بين ما نفكر به، وما نأكله، وما نفعله بأجسادنا. ولهذا فإن النفس والغذاء والنشاط ليست عناوين متفرقة في كتب الطب وعلم النفس، وإنما منظومة واحدة إذا اختل ضلع منها اهتزت بقية الأضلاع.

الإنسان القلق لا يعيش القلق في أفكاره فقط. جسده يعيش القلق معه. القلب ينبض بطريقة مختلفة، والعضلات تتوتر، والنوم يضطرب، والشهية تتغير، والجهاز المناعي يتأثر. لذلك لم يعد مستغرباً أن ترتبط الضغوط النفسية المزمنة بارتفاع ضغط الدم، واضطرابات السكر، وزيادة الالتهابات، وأمراض القلب والشرايين.

وفي المقابل، لا يمكن النظر إلى الغذاء باعتباره مجرد وسيلة لإسكات الجوع. الغذاء رسالة بيولوجية تصل إلى كل خلية في الجسم. عندما يعتاد الإنسان على الأطعمة فائقة التصنيع والمشروبات الغنية بالسكر، فإنه لا يضيف سعرات حرارية فقط، وإنما يغير بيئة الجسم الكيميائية والهرمونية. وعندما يقترب من الغذاء الطبيعي المتوازن، فإنه يمنح جسده فرصة أفضل لمقاومة المرض واستعادة التوازن.

تأمل المفارقة؛ كثيرون ينفقون المال على الفيتامينات والمكملات الغذائية، ثم يحرمون أنفسهم من أبسط مصادر الصحة الموجودة في طبق خضار أو ثمرة فاكهة أو وجبة متوازنة. وكثيرون يبحثون عن أسرار الشباب والحيوية، بينما تشير الأدلة العلمية إلى أن بعض العادات اليومية البسيطة تحقق فوائد لا تقل أهمية عن كثير من التدخلات العلاجية.

ثم يأتي الضلع الثالث؛ النشاط البدني.

المشي الذي يراه البعض نشاطاً عادياً أثبت في الدراسات أنه من أكثر الوسائل فعالية في الوقاية من الأمراض المزمنة. ثلاثون دقيقة من المشي السريع معظم أيام الأسبوع ارتبطت بانخفاض خطر الإصابة بالسكري من النوع الثاني، وتحسن ضغط الدم، وتقليل احتمالية الإصابة بأمراض القلب والسكتات الدماغية.

الأمر لا يتوقف عند القلب والشرايين. المشي المنتظم يساعد الدماغ أيضاً. الأشخاص الأكثر حركة غالباً ما يتمتعون بمزاج أفضل، ونوم أكثر جودة، ومستويات أقل من القلق والتوتر. بعض الدراسات وجدت أن النشاط البدني المنتظم يخفف أعراض الاكتئاب بدرجات تقترب أحياناً من بعض التدخلات العلاجية المساندة، خصوصاً في الحالات الخفيفة والمتوسطة وتحت الإشراف المهني المناسب.

اللافت أن الإنسان المعاصر يمتلك وسائل راحة لم تعرفها الأجيال السابقة، ومع ذلك يشكو من الإرهاق أكثر من أي وقت مضى. يجلس ساعات طويلة أمام الشاشات، ويتنقل بالمركبات لمسافات قصيرة، ويستهلك كماً هائلاً من المعلومات يفوق قدرة عقله على المعالجة، ثم يتساءل عن سر التوتر وقلة النوم وضعف الطاقة.

الصحة لا تحتاج إلى معجزات. تحتاج إلى قرارات صغيرة تتكرر كل يوم. وجبة أكثر توازناً، وخطوات أكثر على الطريق، وساعات أقل من الاستنزاف النفسي، ومساحة أوسع للهدوء والتأمل والعلاقات الإنسانية الداعمة.

الحقيقة التي تؤكدها العلوم الصحية والنفسية معاً أن كثيراً من الأمراض المزمنة لا تبدأ في المستشفى، وإنما تبدأ في تفاصيل الحياة اليومية. وكثير من التعافي لا يبدأ من وصفة طبية فقط، وإنما يبدأ من نمط حياة أكثر حكمة.

لهذا تبقى النفس والغذاء والنشاط ثلاثية لا يمكن فصلها. إذا صلحت النفس أحسن الإنسان الاختيار، وإذا أحسن غذاءه امتلك جسداً أكثر قدرة على المقاومة، وإذا تحرك جسده تحسنت وظائف أعضائه ومزاجه وقدرته على مواجهة الحياة.

إنها معادلة تبدو بسيطة، لكنها من أكثر المعادلات رسوخاً في العلم وأكثرها حضوراً في واقع الناس.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم