العدوان يكتب: بين هدنة هرمز وتعقيدات النووي .. لماذا ما يزال الاتفاق الأمريكي الإيراني بعيداً؟

منذ 1 ساعة
المشاهدات : 13576
  العدوان يكتب: بين هدنة هرمز وتعقيدات النووي ..  لماذا ما يزال الاتفاق الأمريكي الإيراني بعيداً؟
د. علي فواز العدوان

د. علي فواز العدوان

رغم موجة التفاؤل الحذر التي رافقت التسريبات الأمريكية والإيرانية حول قرب التوصل إلى اتفاق ينهي الحرب، إلا أن القراءة السياسية العميقة للمشهد تكشف أن الطرفين ما يزالان بعيدين عن تسوية شاملة ونهائية. فالتناقضات الجوهرية لم تُحل بعد، وما يجري فعلياً هو محاولة إنتاج “هدنة استراتيجية مؤقتة” تمنع الانفجار الكامل، لا اتفاق سلام مستدام.
الولايات المتحدة وإيران نجحتا، بحسب المعطيات المتداولة، في التوصل إلى تفاهمات أولية حول ملفات ميدانية واقتصادية عاجلة، أبرزها إعادة فتح مضيق هرمز ووقف الإجراءات العسكرية المتبادلة التي عطلت حركة التجارة والطاقة العالمية. كما تشير التسريبات إلى توافق على تخفيف جزئي ومؤقت لبعض العقوبات المتعلقة بالنفط والغاز والبتروكيماويات، مقابل عودة الملاحة البحرية إلى مستويات ما قبل الحرب تحت ترتيبات أمنية مرتبطة بالإدارة الإيرانية للمضيق.
ومن البنود التي يبدو أن الطرفين اقتربا من حسمها أيضاً، الإفراج عن جزء من الأموال الإيرانية المجمدة في الخارج، ووقف الحصار البحري الأمريكي المفروض على الموانئ الإيرانية، إضافة إلى تثبيت وقف إطلاق النار القائم منذ الثامن من أبريل، وفتح مسار تفاوضي جديد برعاية إقليمية ودولية تشارك فيه دول الخليج وباكستان وبعض القوى الأوروبية.
لكن خلف هذه التفاهمات الظاهرية، تقف ملفات شديدة التعقيد ما تزال تشكل عقبات حقيقية أمام أي اتفاق نهائي.
أول هذه الإشكاليات يتمثل في البرنامج النووي الإيراني. فواشنطن تريد اتفاقاً يضمن قيوداً واضحة وطويلة الأمد على تخصيب اليورانيوم، مع رقابة دولية صارمة، بينما تصر طهران على أن حقها في التخصيب “سيادي وغير قابل للتفاوض”. ولهذا جرى تأجيل بحث الملف النووي لمدة ستين يوماً وفق التسريبات، في محاولة للهروب المؤقت من العقدة الأكبر.
أما الملف الثاني، فهو الصواريخ الباليستية والنفوذ الإقليمي الإيراني. الولايات المتحدة وإسرائيل تعتبران أن أي اتفاق لا يشمل الحد من القدرات الصاروخية الإيرانية ودور طهران الإقليمي في العراق وسوريا ولبنان واليمن، سيكون اتفاقاً ناقصاً وخطيراً. في المقابل، ترى إيران أن هذه الملفات تتعلق بأمنها القومي وبميزان الردع الإقليمي، وترفض إدراجها ضمن أي تفاوض مباشر.
الإشكالية الثالثة تتعلق بطبيعة العقوبات نفسها. إيران تريد رفعاً حقيقياً وشاملاً للعقوبات الاقتصادية والنفطية وضمانات تمنع أي إدارة أمريكية مستقبلية من الانسحاب من الاتفاق كما حدث سابقاً، بينما تحاول واشنطن تقديم تخفيف مرحلي وقابل للتراجع، دون التزام نهائي طويل الأمد.
كما أن هناك أزمة ثقة عميقة بين الطرفين. فإيران تخشى أن تكون التفاهمات مجرد محاولة أمريكية لإعادة ترتيب الضغوط لاحقاً، فيما تخشى واشنطن أن تستغل طهران الهدنة لإعادة بناء قدراتها العسكرية والاقتصادية وتعزيز نفوذها الإقليمي.
إسرائيل بدورها تمثل عامل ضغط إضافياً يهدد أي اتفاق. فتل أبيب تنظر بعين الريبة إلى أي تفاهم لا ينهي المشروع النووي الإيراني بالكامل، وقد تسعى إلى إفشال التفاهمات عبر التصعيد الأمني أو العمليات غير المباشرة في الإقليم.
كذلك، فإن ملف أمن الممرات البحرية ما يزال معقداً. صحيح أن هناك توافقاً على إعادة فتح مضيق هرمز، لكن السؤال الحقيقي يتعلق بمن يضمن أمن الملاحة مستقبلاً، وكيف سيتم التعامل مع أي توتر جديد في الخليج أو البحر الأحمر.
وفي البعد الدولي، تظهر أيضاً تناقضات بين القوى الكبرى. أوروبا تريد استقرار الطاقة وخفض الأسعار سريعاً، بينما تنظر الصين وروسيا إلى الاتفاق من زاوية أوسع تتعلق بإعادة تشكيل موازين النفوذ العالمي وعدم منح واشنطن انتصاراً استراتيجياً كاملاً في المنطقة.
لهذا، فإن التفاؤل الحالي يبدو أقرب إلى “إدارة أزمة” منه إلى صناعة سلام دائم. فالاتفاقات المتعلقة بالملاحة والطاقة ووقف النار يمكن إنجازها بسرعة، لكن القضايا البنيوية المرتبطة بالنفوذ والنووي والردع الإقليمي ما تزال مفتوحة ومعقدة.
المنطقة اليوم لا تقف أمام نهاية حرب، بل أمام بداية مرحلة جديدة من الصراع السياسي البارد، حيث تُؤجل الأزمات الكبرى مؤقتاً تحت ضغط الاقتصاد والطاقة والخوف من الانفجار الشامل، دون أن تُحل جذورها الحقيقية.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم