إنها شهادةُ تجربةٍ ومسؤوليةٍ وطنيةٍ أكتبها من موقعِ اليقين بأنَّ الكلمةَ قد تكونُ امتدادًا للفعل، وأنَّ نقلَ التجربةِ الصادقةِ هو جزءٌ من خدمةِ الوطن.
لقد كان لي شرفُ العملِ بمعيتكم لأربعِ سنواتٍ في مرحلةٍ شكّلت محطةً مهمةً في بناءِ الوعيِ المهنيِّ والفكري، حيثُ عايشتُ عن قربٍ نموذجًا في الإخلاصِ للوطن، والالتزامِ العميقِ بالقيادةِ الهاشمية، والحرصِ الدائمِ على خدمةِ الناس دون تمييز. وقد لمستُ خلال تلك التجربةِ مدرسةً في الإدارةِ تقومُ على الصلابةِ في الموقف، والدقةِ في القرار، والحكمةِ في التعامل مع القضايا، والقدرةِ على قراءةِ المشهدِ الوطني بروحٍ مسؤولةٍ تدركُ حجمَ التحديات. ومن تلك التجربةِ ترسخت لدي قناعةٌ راسخةٌ بأنَّ التشريعاتِ التي تُحصّنُ المنظومةَ الأخلاقيةَ أصبحت ضرورةً وطنيةً لا تحتملُ التأجيل.
إنَّ تعزيزَ المنظومةِ الأخلاقيةِ ليس ترفًا فكريًا، بل هو أمنُ وطنٍ، وهيبةُ دولةٍ، وحمايةُ مجتمعٍ، وصناعةُ مستقبلٍ أكثرَ استقرارًا ووعيًا.
لم يكن الأردنُّ يومًا وطنًا عابرًا في منظومته الأخلاقية، بل كان مدرسةً في القيم، وهيبةً في السلوك، واعتدالًا راسخًا في وعيه العام، جعل من الأخلاق جزءًا من مفهوم الأمن الوطني لا تفصيلًا اجتماعيًا هامشيًا.
غيرَ أنَّ التحولاتِ المتسارعة، ودخولَ بعضِ المؤثراتِ الخارجيةِ دون وعيٍ كافٍ، قد أسهمت في ظهورِ بعضِ السلوكياتِ التي لم تكن مألوفةً في المجتمعِ الأردني، ولا منسجمةً مع ثقافته الأصيلة. ومع غيابِ الوعيِ الكافي في بعضِ الحالات، وخاصةً لدى فئة الشباب، برزت ممارساتٌ وسلوكياتٌ دخيلة، يُلاحظ فيها استخدامُ أسماءِ مؤسساتٍ وطنيةٍ أمنيةٍ وغير أمنية في أحاديث أو تصرفاتٍ فرديةٍ دون إدراكٍ كاملٍ لخطورة ذلك أو لرمزية هذه المؤسسات ومكانتها، بما قد يُحدث التباسًا في الوعي العام لدى بعض الفئات ( الشباب).
وقد وصلت بعضُ الحالات إلى صورٍ أكثرَ تعقيدًا، يتم فيها ابتزازُ رجالٍ لرجالٍ عبرَ توظيفِ أسماءٍ أو صورٍ أو سياقاتٍ لم تكن منسجمةً مع قيم المجتمع، بما يمسُّ ربَّ أسرةٍ أو سندًا لأبنائه، ويُشكّلُ مساسًا خطيرًا بالعدالةِ والكرامةِ والأمنِ الاجتماعي، ويكشفُ عن فجوةٍ في الضبطِ الأخلاقي والقانوني لهذه الممارسات.
كما أنَّ مراقبةَ هذا المشهد لا تنفصلُ عن ضرورةِ تنظيمِ ملفِّ العمالةِ الوافدة، ليس من زاويةٍ اقتصاديةٍ فقط، بل من زاويةٍ ثقافيةٍ وقيمية؛ فالأردنُّ بلدٌ منفتحٌ يحترمُ الجميع، لكنَّ من يدخلُ إليه يجبُ أن ينسجمَ مع ثقافته ويحترمَ هويته، لا أن يُسهمَ في إنتاج سلوكياتٍ أو ممارساتٍ تُسيءُ إلى نسيجه الاجتماعي أو تُشوّهُ صورته العامة.
ويضافُ إلى ذلك خطرُ الفضاءِ الرقمي، حيثُ أصبحت مواقعُ التواصل الاجتماعي مساحةً لصناعةِ الوعي وتشكيلِ السلوك، وفيها تُنشرُ أحيانًا ممارساتٌ تمسُّ الأخلاقَ العامة، من ابتزازٍ وتشهيرٍ وخطابِ كراهيةٍ، وهو ما يستدعي تشريعاتٍ دقيقةً تُنظّمُ المحتوى، وتُحدّ من هذه الانحرافات، وتُعيدُ ضبطَ العلاقةِ بين الحريةِ والمسؤولية.
وهنا يبرزُ سؤالٌ وطنيٌّ عميق: أين المنظومةُ الأخلاقيةُ التي تضبطُ هذه الانحرافات؟ وأين التشريعاتُ الرادعةُ التي تحمي المجتمعَ من هذا التوسعِ غيرِ المنضبطِ في السلوكياتِ الضارة؟
وانطلاقًا من ذلك، فإنني أؤكدُ على ضرورةِ إنشاءِ هيئةٍ وطنيةٍ متخصصةٍ تُعنى بالمنظومةِ الأخلاقية، تكونُ مرجعًا تشريعيًا ورقابيًا وتوعويًا، تعملُ على تحقيقِ التوازنِ بين الحريةِ والمسؤولية، وبين الانفتاحِ والانضباط. هيئةٍ تُخاطبُ الشبابَ باعتبارهم مستقبلَ الوطن، وتحمي الرجالَ والنساءَ من أيِّ أشكالِ استغلالٍ أو ابتزازٍ أو إساءة، وتُسهمُ في حمايةِ الكرامةِ الإنسانية وصونِ النسيجِ الاجتماعي.
كما تمتدُّ مسؤوليةُ هذه الهيئةِ إلى الفضاءِ الرقمي، عبرَ تشريعاتٍ تُنظّمُ المحتوى وتُراقبُ الانحرافاتِ الرقمية، بما يضمنُ حمايةَ الوعي العام من التشوّه التدريجي، ويصونُ القيمَ التي بُني عليها المجتمع الأردني، ويمنعُ تحويلَ المنصاتِ الرقمية إلى أدواتِ ضغطٍ أو ابتزازٍ أو تشويه.
إنَّ الأردن، الذي تأسس على هويةٍ منفتحةٍ واعية، لم يكن يومًا منغلقًا، لكنه كان دائمًا يدركُ كيف ينفتحُ دون أن يفقدَ ذاته، وكيف يتفاعلُ دون أن يتنازلَ عن قيمه، وكيف يواكبُ العصر دون أن يسمحَ بإعادة تشكيل هويته خارج إرادته.
إنَّ تعزيزَ المنظومةِ الأخلاقيةِ ليس ترفًا فكريًا، بل هو أمنُ وطنٍ، وهيبةُ دولةٍ، وحمايةُ مجتمعٍ، وصناعةُ مستقبلٍ أكثرَ استقرارًا ووعيًا.
الشمايلة تكتب: من الشمايلة إلى رئيس مجلس النواب… تعزيزُ التشريعاتِ الأخلاقيةِ ضرورةٌ لتحقيقِ التوازنِ بين الحريةِ والمسؤولية
منذ 5 شهور
المشاهدات :
19244
الدكتورة إيمان الشمايلة
شارك المقال:
الأكثر قراءة
01
02
03
04
05
آخر الأخبار
كُتاب سرايا
موسى الطراونة يكتب: الكرك .. حكاية وطن لا تشبه إلا نفسها
منذ 3 ساعات
كُتاب سرايا
د. مفضي المومني يكتب: حمود .. الكرك وجعكم وجعنا .. بالفطرة لا بالتعايش! ابحثوا عن صاحب المصلحة .. ؟
منذ 8 ساعات
كُتاب سرايا
محيلان يكتب: تكريم ياسين البخيت .. تشجيع للاعبين كافة، شكراً اتحاد
منذ 8 ساعات
كُتاب سرايا
الدكتور بكر الشوابكة يكتب: بين انحراف الجريمة ونبل الدين تبقى الكرك عنوانا للأخوة والأردن حصنا للوحدة
منذ 8 ساعات
كُتاب سرايا
د. ذوقان عبيدات يكتب: زمجرنا!! .. وماذا بعد؟
منذ 9 ساعات
أخبار فنية
فن
هيا الشعيبي تكشف أسرار خلافاتها العائلية وأزمتها مع إلهام الفضالة
منذ 1 ساعة
فن
وليد توفيق يكشف موعد عودته إلى السينما .. وأغنية خاصة لهاني شاكر
منذ 1 ساعة
فن
هيا الشعيبي تبكي بتأثر بسبب شقيقيها وهذا ما قالته عن تسجيل إلهام الفضالة
منذ 6 ساعات
فن
محمد رمضان يستأنف تصوير مسلسل "عشماوي" بعد إصابته في الكواليس
منذ 10 ساعات
فن
نجوم الفن والإعلام يواسون هالة سرحان في عزاء شقيقتها شادية (صور)
منذ 10 ساعات
أخبار رياضية
رياضة
برشلونة يستدعي لاعبا إسرائيليا للكلاسيكو
منذ 2 ساعة
رياضة
الاتحاد الآسيوي لكرة القدم يرجئ مباراة النصر السعودي والوصل الإماراتي
منذ 2 ساعة
رياضة
إنتر يقلب تأخره إلى فوز مثير على فيورنتينا بهدفين في الوقت بدل الضائع
منذ 2 ساعة
رياضة
رغم بيان ريال مدريد .. كورتوا جاهز للكلاسيكو
منذ 2 ساعة
رياضة
أمام بورنموث .. كاريك يرسل برونو إلى الدكة بعد انتقاداته
منذ 2 ساعة
منوعات من العالم
منوعات من العالم
قبل الـ«ألو» ماذا كان العالم يقول عند الرد على الهاتف؟
منذ 1 ساعة
منوعات من العالم
63 % من الألمان يرفضون استخدام الهواتف على مائدة الطعام
منذ 1 ساعة
منوعات من العالم
ادعى رعايتها ثم اتُّهم بتسميمها .. تفاصيل جريمة مروعة في أمريكا
منذ 8 ساعات
منوعات من العالم
جدات "تيك توك" .. شهرة بالملايين وأرباح تغطي تكاليف دور الرعاية (فيديو)
منذ 8 ساعات
منوعات من العالم
راكبة تثير الجدل على متن طائرة .. بكت 3 ساعات بسبب مقعد زوجها
منذ 11 ساعة
الرجاء الانتظار ...
التعليقات