سرايا - عاطف الشريدة
أن تكتب عن الأردن في ثمانين عاماً من عمر استقلاله، يعني أن تخلع عن حبرك عادية الكلام، وتقف بوقارٍ أمام معجزةٍ كُتبت بالدم والدمع وعرق السواعد السمر. نحن لا نحتفل بمجرد تاريخٍ عبر، بل نحتفل بـ "فكرة" آمنت بها الراية الهاشمية، فالتفّت حولها قلوب الرجال، وصنعوا من شُح المدى.. أفقاً يعانق غيمات السماء.
في البدء، لم نكن نملك ترف الموارد ولا فائض الثروات؛ كنا نملك "الإنسان"، هذا الكنز الأردني المعجون بالأنفة والصبر، والمسكون بحب هذه الأرض حتى النخاع. في إقليمٍ تتقاذفه الأمواج، كان الأردن يرسو كالجبل الراسخ، يضم الشقيق، يواسي الجار، ويبني بيده الأخرى صروحاً من علمٍ، وطبٍ، وريادة، ليثبت للعالم أن الأوطان لا تُقاس بمساحات الخارطة، بل بعمق الولاء وشموخ الهوية.
تجليات النهضة: ملاحم الوعي والوفاء
ثورة العقول وسادنة الوعي: من كتاتيب القرى وظلال الأشجار، انطلقت مسيرة الوعي الأردني. لم يكن التعليم لدينا ترفاً، بل كان عقيدة وجود وسلاح استقلال. آمن الأردن أن بناء الإنسان هو الاستثمار الأبدي، فغدت عقول أبنائه قناديل تضيء عتمة الجهل، وتصدّر المعرفة والريادة إلى كل فضاء.
الذائدون عن الحمى (الجيش والأمن): هم سياج الروح وبواسل الميدان. الشماغ الأحمر الذي ارتدى كبرياء الأمة، والجباه السمراء التي ما انحنت إلا لبارئها. لولا هؤلاء الأشاوس الذين نذروا أرواحهم للوطن، ولولا يقظة الأجهزة الأمنية التي تحرس حلمنا، لما نامت عينٌ، ولما نمت نبتة تطور في ثرى هذا الوطن. هم صمام أمان الوجدان وعنوان التضحية.
الريادة والتمكين: في كل ميدانٍ طبي، أو تكنولوجي، أو معرفي، وضع الأردني بصمته بحب. لم يكن التطوير مجرد أرقام صماء، بل كان قصة عشق بين الشاب الأردني ومستقبل وطنه، ليظل هذا البلد دائماً في طليعة الأمم، عزيزاً، شامخاً، وعصياً على الانكسار.
الأردن يستحق.. لأن الولاء نبضٌ في العروق
"الأردن يستحق"؛ ليست مجرد مفردة تُزيّن المحافل، بل هي غصة الفخر في حلق كل حر، وهي دعاء الأمهات في سحر الليالي، وإخلاص المعلم في صفه، وعزيمة القائد في ميدانه. الأردن يستحق لأن حبّه ليس ادعاءً، بل هو إرثٌ نرضعه جيلاً بعد جيل، وولاءٌ مطلق لرايةٍ هاشمية ما خذلت أمتها يوماً، وما انحازت إلا للحق والكرامة.
في عامنا الثمانين، نجدد العهد للأرض التي نبتنا من طهرها، وللراية التي تظللنا؛ أن نبقى حراس الوعي، وبناة النهضة، والأوفياء لترابٍ طاهر ارتوى بدم الشهداء.
كل عام والأردن الغالي، قيادةً حكيمة، وشعباً وفياً، وجيشاً أظلنا بمهابته، بألف خير وعزٍّ ورفعة ممتدة إلى عنان السماء.
الرجاء الانتظار ...
التعليقات