د. هيثم علي حجازي يكتب: هل الموظف الحكومي مسؤول فعلاً؟ .. قراءة في واقع الإدارة العامة

منذ 23 دقيقة
المشاهدات : 18389
د. هيثم علي حجازي يكتب: هل الموظف الحكومي مسؤول فعلاً؟ ..  قراءة في واقع الإدارة العامة
د. هيثم علي حجازي

د. هيثم علي حجازي

كثيرا ما يُحمَّل الموظف الحكومي مسؤولية بطء الإجراءات، وتعقيد المعاملات، وضعف جودة الخدمة العامة. وفي نظر بعض المواطنين، يصبح الموظف خلف المكتب هو الوجه المباشر لكل مشكلات الإدارة، من التأخير إلى الروتين، ومن غياب المعلومة إلى تكرار المراجعات. لكن السؤال الذي يستحق التوقف عنده هو: هل الموظف الحكومي مسؤول فعلاً عن كل ما يحدث داخل الإدارة العامة؟ أم أنه جزء من منظومة أوسع، تؤثر فيه بقدر ما يؤثر فيها؟
لا يمكن إنكار أن الموظف الحكومي يتحمل قدرا من المسؤولية. فهو ممثل للمؤسسة أمام المواطن، ومؤتمن على تطبيق القانون، وتقديم الخدمة بعدالة واحترام، وحفظ المال العام، والالتزام بوقت العمل وأخلاقياته. وعندما يتعامل الموظف مع المراجع بلامبالاة، أو يؤخر معاملة دون سبب، أو يسيء استخدام صلاحياته، فإنه لا يضر المواطن وحده، بل يضعف ثقة الناس بالمؤسسة الحكومية كلها.
لكن اختزال أزمة الإدارة العامة في شخص الموظف وحده تسطيح للمشكلة غير عادل. فالموظف، في كثير من الأحيان، يعمل داخل شبكة معقدة من التعليمات والأنظمة والموافقات المتعددة. وقد تكون رغبته في الإنجاز أكبر من قدرته الفعلية على تجاوز الإجراءات. فهناك معاملات لا يستطيع إنجازها دون توقيع مسؤول، أو موافقة لجنة، أو استكمال وثائق، أو انتظار نظام إلكتروني متعطل. وفي هذه الحالة، لا يكون التأخير نتيجة كسل فردي بالضرورة، بل انعكاسا لخلل إداري أعمق.
ويكشف واقع الإدارة العامة أن المسؤولية موزعة بين عدة أطراف: الموظف، والإدارة، والتشريعات، والأنظمة التقنية، وثقافة المؤسسة، وحتى المواطن نفسه. فالموظف مطالب بالكفاءة والانضباط، لكن الإدارة مطالبة أيضا بتوفير بيئة عمل واضحة، وتدريب مناسب، وأدوات حديثة، وتوزيع عادل للأعباء. فلا يمكن مطالبة موظف بتقديم خدمة سريعة وهو يعمل بنظام قديم، أو في ظل نقص في الكوادر، أو تحت ضغط معاملات متراكمة، أو وفق إجراءات لم تُراجع منذ سنوات.
من جهة أخرى، تلعب القيادة الإدارية دورا حاسما في تحديد سلوك الموظف. فالمؤسسة التي تكافئ المجتهد، وتحاسب المقصر، وتوضح الصلاحيات، وتبسِّط الإجراءات، تجعل الموظف أكثر التزاما وفاعلية. أما المؤسسة التي يغيب فيها التقييم العادل، وتضعف فيها المساءلة، وتتداخل فيها الصلاحيات، فإنها تفتح المجال للارتباك والتراخي وربما الفساد الإداري. لذلك، فإن إصلاح الموظف لا ينفصل عن إصلاح الإدارة التي يعمل داخلها.
أيضا، فإنّ مفهوم المسؤولية لا ينبغي أن يكون أداة للاتهام فقط، بل مدخلا للتطوير. فالموظف الحكومي يحتاج إلى أن يشعر أن دوره مهم، وأن جهده مقدَّر، وأن النظام يساعده على الإنجاز لا يعرقله. فحين تتحول الوظيفة العامة إلى مجرد روتين يومي بلا تحفيز أو تدريب أو مسار مهني واضح، يصبح الأداء محدودا، حتى لدى من يمتلكون الرغبة في العمل الجاد.
ولا يمكن تجاهل دور المواطن في هذه المعادلة. فالمراجع الواعي بالإجراءات، والمستكمل لوثائقه، والمتفهم لطبيعة الخدمة، يساعد على تسريع العمل وتقليل الاحتكاك. في المقابل، فإن الضغط غير المنظم، أو البحث عن الاستثناء، أو تجاوز الدور، أو محاولة إنجاز المعاملة بطرق غير رسمية، كلها ممارسات تزيد من تعقيد الإدارة وتضع الموظف أمام ضغوط إضافية.
إذن، هل الموظف الحكومي مسؤول فعلا؟ نعم، هو مسؤول، ولكن ليس وحده. مسؤوليته تبدأ من مكتبه، من طريقة استقباله للمواطن، ومن التزامه بالأنظمة، ومن حرصه على إنجاز ما يستطيع إنجازه. لكنها لا تلغي مسؤولية الإدارة العليا عن السياسات والإجراءات، ولا مسؤولية المشرّع عن تحديث القوانين، ولا مسؤولية المؤسسة عن التدريب والتطوير، ولا مسؤولية المجتمع عن احترام النظام.
إن الإدارة العامة الناجحة لا تبحث عن شماعة تعلق عليها الأخطاء، بل تبحث عن فهم شامل لمصادر الخلل. وإذا أردنا خدمة حكومية أفضل، فعلينا أن ننتقل من سؤال: “من المخطئ؟” إلى سؤال أكثر نضجا: “كيف نصلح المنظومة؟”. فالموظف الحكومي ليس ملاكا لا يخضع للنقد، بل هو عنصر أساس في جهاز إداري يحتاج إلى تطوير مستمر.
وفي النهاية، فإن تحميل المسؤولية يجب أن يكون عادلا ومتوازنا. فالموظف الحكومي مطالب بأن يكون أمينا، مهنيا، متعاونا، ومبادرا ضمن حدود القانون. وفي المقابل، تستحق الإدارة العامة أن تُبنى على أنظمة أبسط، وقيادات أكثر كفاءة، ورقابة أكثر فاعلية، وثقافة مؤسسية تحفز الإنجاز وتحاسب التقصير. عندها فقط يصبح الحديث عن المسؤولية حديثا بنّاءً، لا مجرد اتهام عابر يتكرر مع كل معاملة متأخرة.
* رئيس ديوان الخدمة المدنية الأسبق
أمين عام رئاسة الوزراء الأسبق

شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم