خطوة واحدة داخل أروقة كلية الحقوق في الجامعة الأردنية – فرع العقبة كانت كفيلة بأن تجعلني أشعر أنني على موعد مع مرحلة مختلفة تماماً عما سبقها. بالنسبة لي، لم يكن الأمر مجرد انتقال إلى حياة جامعية جديدة، بل دخول إلى عالم آخر بدأت فيه أتعرف على نفسي بطريقة مختلفة، وأعيد تشكيل كثير من أفكاري وقناعاتي ونظرتي للحياة. شيئاً فشيئاً لم تعد الجامعة بالنسبة إليّ مكاناً للدراسة فقط، بل مساحة واسعة للنضج والتغيير وبناء الوعي، حتى أصبحت جزءاً ثابتاً من تفاصيل أيامي وذاكرتي.
ومع بداية المحاضرات الأولى، بدأت أكتشف أن القانون ليس كما يظنه كثيرون مجرد نصوص جامدة أو مواد تُحفظ لاجتياز الامتحانات، بل هو فهم عميق للحياة وللناس وللعلاقات التي تنظم هذا العالم. كنت أشعر مع كل مادة أدرسها أن طريقة تفكيري تتغير بصورة هادئة لكنها حقيقية. ففي القانون المدني بدأت أفهم كيف تُنظم العلاقات بين الأفراد على أساس من الالتزام وحسن النية واحترام الحقوق، وأدركت أن العقود والالتزامات ليست مجرد نصوص نظرية، بل أدوات تحفظ الحقوق وتحقق الاستقرار بين الناس. أما القانون التجاري فقد كشف لي الطبيعة الخاصة للعلاقات التجارية وما يميزها من سرعة وائتمان، وأدركت من خلاله أن التنظيم القانوني الدقيق للمعاملات التجارية والعقود والأوراق التجارية هو ما يمنح السوق استقراره ويعزز الثقة بين المتعاملين.
ومع التعمق أكثر، أخذت بعض المواد تترك أثراً مختلفاً في داخلي؛ فالقانون الدستوري جعلني أكثر إدراكاً لطبيعة العلاقة بين السلطات العامة وحدود صلاحياتها، وكيف يشكل الدستور الضمانة الأساسية لحماية الحقوق وترسيخ مبدأ سيادة القانون، بينما كشف لي القانون الإداري طبيعة التنظيم القانوني للإدارة العامة، وكيف تُمارس سلطاتها ضمن حدود المشروعية وبما يحقق التوازن بين المصلحة العامة والحقوق الفردية. أما القانون الجزائي فقد منحني فهماً أعمق لفكرة المسؤولية الجزائية وأثرها في حماية الحقوق والحريات، وكيف يسعى المشرع من خلاله إلى تحقيق الردع والعدالة ضمن ضمانات قانونية تكفل حماية الأفراد والمجتمع.
ومع مرور الوقت، لم يكن أثر هذه المواد أكاديمياً فقط، بل انعكس على طريقة تفكيري ونظرتي للأمور من حولي. وهنا تحديداً كان لأعضاء الهيئة التدريسية الأثر الأكبر في هذه الرحلة. فلكل عضو في الكلية طبيعته الخاصة، وأسلوبه المختلف، ومدرسته التي تترك أثراً لا يُنسى في عقلي وذاكرتي. فمنهم من كان يفتح أمامي باب التفكير بطريقة لم أعتدها من قبل، ومنهم من كان يدفعني للبحث والتعمق خارج حدود المحاضرة، ومنهم من كان يزرع في داخلي قيمة المنطق والدقة والصبر في الوصول إلى الفكرة الصحيحة. وما زلت أؤمن أن كثيراً مما أحمله اليوم من طريقة تفكير وتحليل وفهم، يعود بعد فضل الله تعالى إلى تلك القامات العلمية القانونية التي مرّت في هذه الرحلة وتركت أثرها في داخلي.
ولم يكن ما يقدمه أعضاء الهيئة التدريسية في كلية الحقوق يقتصر على شرح المادة العلمية فقط، بل كانوا دائماً قريبين من الطلبة، لا يتوانون عن تقديم المعلومة أو توضيح الفكرة أو المساعدة في حل أي إشكال يواجهنا. وفي كل مرة كنت أجد فيها صعوبة في فهم مسألة معينة أو نص قانوني معقد، كنت أجد منهم رحابة صدر وحرصاً حقيقياً على إيصال الفكرة بأبسط صورة ممكنة. وهذا ما جعل العلاقة معهم تتجاوز حدود القاعة الدراسية، لتصبح جزءاً أصيلاً من التجربة التي ستبقى عالقة في ذاكرتي.
أما الممرات الطويلة بين القاعات، فهي الأخرى تحمل جزءاً كبيراً من حكايتي مع الجامعة. هناك عشت تفاصيل صغيرة قد تبدو عابرة للآخرين، لكنها بالنسبة إليّ صنعت أجمل الذكريات؛ نقاش قانوني سريع قبل المحاضرة، حديث عابر عن اجتهاد قضائي جديد، أو حتى لحظات الصمت والتوتر التي تسبق الامتحانات. ومع كل هذه التفاصيل، بدأت أفهم أن المعرفة لا تأتي دفعة واحدة، بل تُبنى يوماً بعد يوم، بالقراءة، والتفكير، والسؤال، والاستمرار.
ولأن الحياة الجامعية لا تختصر بالمحاضرات فقط، فقد كانت الساحات والأنشطة والمبادرات وحتى الجلسات البسيطة بعد يوم طويل من الدراسة جزءاً من هذه الرحلة التي صنعت في داخلي شعوراً حقيقياً بالانتماء. وكل موقف مررت به داخل هذا المكان، سواء كان سهلاً أو صعباً، ترك أثراً ساهم في تشكيل شخصيتي بطريقة لم أكن أتوقعها في البداية.
ومع كل امتحان صعب وكل ليلة طويلة من الدراسة، كنت أشعر أنني لا أتجاوز مادة دراسية جامعية فحسب، بل أتجاوز مرحلة جديدة من بناء نفسي. فقد علّمتني كلية الحقوق أن النجاح لا يأتي صدفة، وأن القانون يحتاج إلى صبر والتزام واستمرار، وأن الطريق الحقيقي لا يُبنى إلا بالتعب والمحاولة والثبات.
واليوم، ومع اقتراب موعد مغادرتي الجامعة الأردنية – فرع العقبة (كلية الحقوق) أجدني أعود بذاكرتي إلى كل تلك اللحظات التي صنعت هذه الرحلة. أسترجع الوجوه والمحاضرات والمواقف والتفاصيل الصغيرة التي لم أكن أدرك قيمتها حينها، لأكتشف اليوم أنها كانت تشكل جزءاً كبيراً من هذه القصة التي عشتها هنا. فالوداع ليس وداع مبانٍ أو قاعات، بل وداع مرحلة كاملة صنعت وعياً وذاكرة وتجربة ستبقى ترافقني أينما ذهبت.
ولا يمكن أن تُختتم هذه الرحلة دون أن أقف بإجلال وتقدير أمام عميد كلية الحقوق، الذي ترك حضوره أثر إنساني وأكاديمي لا يُنسى في تجربتنا. فقد كان قريب من الطلبة، حاضر في تفاصيلهم، حريص على الاستماع إليهم بصدق، وعلى التعامل مع ما يواجههم من عقبات بروح المسؤولية والاحتواء. ولم يكن دوره مقتصر على الجانب الإداري، بل امتد ليعكس فهم حقيقي لمعنى القيادة الأكاديمية القائمة على الدعم والتوجيه لا على المسافة والجمود. ولعل الكثير من المواقف التي بدت صعبة في حينها، تحولت إلى محطات تجاوزناها بفضل هذا الحضور المتفهم، فله مني كل الشكر والتقدير والامتنان.
ويبقى الشكر الكبير لأعضاء الهيئة التدريسية، الذين كان لهم – بعد فضل الله عز وجل – دور أساسي في بناء هذا الوعي الذي أحمله اليوم، وفي تشكيل شخصيتي القانونية والفكرية. فقد منحوني من علمهم وخبرتهم ووقتهم الكثير، وغرسوا في داخلي معنى القانون الحقيقي، ومعنى أن يكون للإنسان فكر ورسالة وموقف. فشكراً لكم ولوجودكم.
وختاماً، ستظل الجامعة الأردنية بالنسبة إليّ أكثر من مجرد جامعة؛ ستبقى المكان الذي تعلمت فيه كيف أفكر، وكيف أبحث، وكيف أنظر إلى الحياة بعين أكثر وعياً ونضجاً. وسأبقى دائماً فخوراً بأنني كنت يوماً طالباً في الجامعة الأردنية - فرع العقبة (كلية الحقوق) لأن هذا المكان لم يمنحني شهادة فقط، بل منحني جزءاً كبيراً من نفسي التي سأحملها معي طوال الطريق.
" لحظة وداع لمرحلة ستبقى في الذاكرة "
الرجاء الانتظار ...
التعليقات