شاكر خليف يكتب: الاستقطاب الحزبي في الجامعات .. من خزان الأصوات إلى صناعة القرار

منذ 1 ساعة
المشاهدات : 8289
شاكر خليف يكتب: الاستقطاب الحزبي في الجامعات  ..  من خزان الأصوات إلى صناعة القرار
شاكر خليف

شاكر خليف

*الفجوة*
في الوقت الذي يُتوقع فيه من المؤسسات الجامعية أن تكون "المصنع السيادي" للنخب السياسية، تكشف القراءات الميدانية عن فجوة عميقة بين الطموح والممارسة ، فالأحزاب السياسية لا تزال تراوح مكانها في المربع التقليدي، عاجزة عن التحول إلى رافعة حقيقية للعمل الطلابي و بدلاً من ذلك، ظلت مجرد صدى للتحالفات التقليدية أو هياكل موسمية تفتقر للعمق المعرفي والبرامجي، مما يعكس خللاً بنيوياً عميقاً في منهجية العمل الحزبي ذاته.

*الخلل البنيوي*
الفئة العمرية التي تقل عن 35 سنة تشكل النسبة الأكبر من الهيكل السكاني الأردني، وهو ما يفترض أن يجعل الشباب أولوية استراتيجية للأحزاب. غير أن إخفاق الأحزاب في استقطاب الكتلة الطلابية ليس انعكاساً لضعف الرغبة الشبابية، بل هو انعكاس مباشر لخلل بنيوي في البنية الحزبية نفسها ،فمعظم الأحزاب تتعامل مع الجامعات كـ "خزان أصوات" يُفتح قبيل الانتخابات ويُغلق بعدها مباشرة. هذا النهج الموسمي أفقد الأحزاب القدرة على بناء "تنشئة سياسية" مستدامة تربط بين الطالب والعمل الحزبي برابط استمراري حقيقي ،والنتيجة أن الطالب بدأ يرى في الانتماء الحزبي عبئاً قانونياً ونفسياً لا يوفر له حماية حقيقية أو استمرارية في العمل العام وهذا الأمر حوّل الانتماء من "فرصة" إلى "عبء" يتجنبه الطالب الواعي.

*من الشعارات إلى الأرقام*
أحد أبرز أوجه الفشل الحزبي يكمن في الانقطاع الكامل بين الخطاب الحزبي والواقع اليومي للطالب الأردني. الشاب الذي يواجه نسبة بطالة تلامس اكثر من 35%، وينوء تحت أعباء الرسوم الدراسية ، ويعاني من أزمات النقل والسكن، لا يجد في الخطاب الحزبي سوى شعارات أيديولوجية كبرى أو وعود فضفاضة لا تلامس واقعه المعيش.
لقد عجزت الأحزاب عن مخاطبة الطلبة بـ "لغة الأرقام والهموم اليومية" وبدلاً من تقديم حلول برامجية محددة لقضايا مثل جودة التعليم، الرسوم الدراسية، والنقل الجامعي، اكتفت ( أقصد الأحزاب) بخطاب عام لا يقدم إجابات واضحة على الأسئلة الملحة ،مما أفسح المجال أمام اللامبالاة السياسية وتعاظم الشعور بأن العمل الحزبي "مضيعة للوقت" لا تعود بفوائد ملموسة على الطالب.

*انتهاء عصر الاستقطاب السهل*
لقد انتهى "زمن الاستقطاب السهل" عبر الشعارات العاطفية والوعود المرسلة ،فالطالب المعاصر أصبح أكثر تمييزاً وواقعية؛ فهو لا يمكن أن ينخرط في حزب لا يستطيع الدفاع عنه ، ولا يرى فيه قيمة مضافة لمستقبله المهني والأكاديمي كما أنه على الأحزاب أن تدرك بأن المعادلة الجديدة تتطلب ربط العمل الحزبي بـ تطوير مهارات الشباب الفعلية فالطالب الذي ينخرط في عمل حزبي يجب أن يكتسب مهارات القيادة والتخطيط الاستراتيجي والمناظرة والسياسات العامة، وهي مهارات ستفتح له أبواب سوق العمل وتزيد من فرصه في الحصول على وظائف مؤثرة. بهذا الربط، يتحول العمل الحزبي من "مضيعة للوقت" إلى "استثمار حقيقي" في مستقبل الشاب.

*التمكين الصوري مقابل التمكين الحقيقي*
التحدي الأكبر الذي تواجهه الأحزاب اليوم لا يكمن في الاستقطاب بل في التمكين الحقيقي للشباب. بينما يتصدر الشباب المشهد الإعلامي في "مرحلة التأسيس" ويُستخدمون كواجهة برامجية للحزب، يجدون أنفسهم "خارج دائرة التأثير الحقيقي" عند صنع القرار داخل المكاتب السياسية واللجان التنفيذية.
الواقع الحالي يعكس هذا التناقض بوضوح ،إذ ينتسب الشباب للأحزاب لاستكمال متطلبات التأسيس القانونية (الكوتا الشبابية بموجب القانون)، لكنهم يظلون "أرقاماً تكميلية" في صنع القرار. المواقع القيادية الحقيقية، والمسؤوليات الاستراتيجية، والتأثير على توجهات الحزب، كل ذلك يبقى حكراً على الأجيال الأقدم. هذا النمط من التمكين الصوري أفقد الشباب الثقة في الأحزاب وعزز قناعتهم بأن "الانتماء الحزبي مجرد ديكور" لا يعكس واقع الممارسة.

*الحل: نحو خطاب جاذب ومستقل*
نجاح مشروع التحديث السياسي الحقيقي مرهون بقدرة الأحزاب على إنتاج خطاب جاذب ومستقل، يغادر البرج العاجي ليشتبك مع تفاصيل حياة الطالب اليومية. هذا الخطاب يجب أن يتسم بعدة خصائص أساسية أهمها:
* البرامجية والوضوح
* الاستمرارية
* التمكين الفعلي
* ربط السياسة بالمهارات

*الخاتمة*
المطلوب اليوم ليس "تسييس الجامعات" بمعنى فرض الأحزاب على الطلاب، وإنما "تأهيل الساسة الجدد" من داخل الجامعات وهذا يتطلب من الأحزاب إعادة نظر جذرية في استراتيجيتها تجاه الشباب، والاعتراف بأن الشباب ليسوا "خزان أصوات" بل "شركاء استراتيجيون" في بناء المستقبل السياسي للدولة.

أعتقد أن الفرصة لا تزال متاحة أمام الأحزاب لإعادة صياغة علاقتها بالشباب الجامعي، فالأحزاب التي تفهم أن الشباب هو مستقبلها ستكون الأحزاب التي تبني مستقبلاً حقيقياً لا فقط لنفسها بل للدولة برمتها .
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم