الفرجات يكاب: "مفارقة الدينار القوي": هل يحمي الدينار الاردني الاقتصاد أم يقيده؟

منذ 1 ساعة
المشاهدات : 12776
الفرجات يكاب: "مفارقة الدينار القوي": هل يحمي الدينار الاردني الاقتصاد أم يقيده؟
الدكتور عيسى الفرجات

الدكتور عيسى الفرجات

في أدبيات الاقتصاد الكلي، ترتبط قوة العملة عادةً بقوة الإنتاج، وفائض الميزان التجاري، ونمو الناتج المحلي الإجمالي. إلا أن الحالة الأردنية تقدم نموذجاً فريداً يكسر هذه القواعد التقليدية؛ حيث يتربع "الدينار الأردني" كواحد من أقوى العملات عالمياً من حيث القيمة الاسمية، في وقت يواجه فيه الاقتصاد المحلي تحديات هيكلية مزمنة تتمثل في ارتفاع المديونية، وتفاقم نسب البطالة، وعجز تجاري مستمر. فكيف استطاع الدينار أن يظل "جبلاً" وسط هذه العواصف؟ وهل هذه القوة نعمة للاستقرار أم نقمة على النمو؟

"المرساة" النقدية: قرار سياسي بامتياز

لا تنبع قوة الدينار من كونه مدعوماً بصادرات تكنولوجية أو موارد نفطية هائلة، بل هي ناتجة عن سياسة "الربط الثابت" بالدولار الأمريكي المتبعة منذ عام 1995. هذه السياسة لم تكن مجرد إجراء تقني، بل هي "عقد اجتماعي ونقدي" صاغه البنك المركزي الأردني لتوفير مرساة استقرار تحمي مدخرات المواطنين وتجذب الاستثمارات في منطقة تعاني من اضطرابات جيوسياسية حادة.
من خلال هذا الربط، استطاع الأردن كبح جماح التضخم المستورد، وضمان تدفق تحويلات المغتربين (التي تتجاوز مليارات الدولارات سنوياً) في وعاء نقدي آمن ومستقر.
الثالوث المستحيل و"ثمن الاستقرار"
للحفاظ على هذا الاستقرار، يجد صانع القرار النقدي نفسه أمام معادلة "الثالوث المستحيل"؛ فلكي تحافظ على سعر صرف ثابت وحرية في انتقال رؤوس الأموال، عليك التضحية باستقلاليتك النقدية. وهذا يعني أن الأردن مجبر على "استيراد" السياسة النقدية الأمريكية؛ فإذا رفع الفيدرالي الأمريكي أسعار الفائدة، يضطر البنك المركزي الأردني لرفعها أيضاً للحفاظ على جاذبية الدينار ومنع "الدولرة"، حتى وإن كان الاقتصاد المحلي في حالة ركود ويحتاج لخفض الفائدة لتحفيز الاستثمار.

الاقتصاد الأردني.. ضحية قوته؟

تطرح هذه القوة المصطنعة للدينار تساؤلات قاسية حول "التنافسية". فالدينار القوي يجعل السلع الأردنية (من خضروات وفوسفات وصناعات دوائية) أكثر غلاءً في الأسواق العالمية مقارنة بمنافسيها من دول ذات عملات مرنة. وفي المقابل، يسهّل الدينار القوي عملية الاستيراد، مما يحول الاقتصاد تدريجياً إلى اقتصاد استهلاكي يعتمد على الخارج، ويضعف القاعدة الإنتاجية المحلية.
هذا ما يصفه بعض الخبراء بـ "المرض الهولندي غير النفطي"، حيث تعمل المنح الخارجية والمساعدات الدولية كمخدر يبقي العملة قوية، بينما تعاني القطاعات الإنتاجية (الصناعة والزراعة) من نزيف مستمر نتيجة ارتفاع تكاليف الإنتاج المقومة بالدينار

الجدلية الكبرى: خفض القيمة أم
الإصلاح الهيكلي؟

ينقسم المحللون إلى معسكرين؛ الأول
يرى ضرورة "تعويم" أو خفض قيمة الدينار تدريجياً لتعزيز الصادرات وتحفيز النمو. لكن هذا الطرح يصطدم بواقع مرير: الأردن يستورد معظم غذائه وطاقته بالدولار، وأي خفض في قيمة الدينار سيعني قفزة فورية في الأسعار قد تؤدي إلى اضطرابات اجتماعية، فضلاً عن تضخم الديون الخارجية التي ستلتهم ميزانية الدولة.
أما المعسكر الثاني، وهو الأقرب للرؤية الرسمية، فيرى أن "الدينار القوي" هو خط الدفاع الأخير عن الطبقة الوسطى والفقيرة. ويؤكد هؤلاء أن مشكلة الاقتصاد ليست في سعر الصرف، بل في "كلف الإنتاج" الأخرى؛ مثل أسعار الطاقة المرتفعة، والبيروقراطية، والضرائب المرتفعة. الحل إذن ليس بإضعاف العملة، بل بتقوية بيئة الأعمال.
خاتمة
يظل الدينار الأردني "أيقونة" للاستقرار في محيط مضطرب، لكنه استقرار مكلف يتطلب توازناً دقيقاً بين الحفاظ على الثقة النقدية وتحفيز المحركات الاقتصادية. إن الخروج من عنق الزجاجة لا يكمن في التلاعب بسعر الصرف، بل في تحويل الاقتصاد من الاعتماد على "قوة العملة" إلى الاعتماد على "قوة الإنتاج"، وهي رحلة تبدأ من إصلاحات هيكلية حقيقية تخفض الكلف وتفتح آفاق الابتكار.

شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم