د. زيد إحسان الخوالدة يكتب: الحياة الطيبة

منذ 10 ساعات
المشاهدات : 19692
د. زيد إحسان الخوالدة يكتب: الحياة الطيبة
د. زيد إحسان الخوالدة

د. زيد إحسان الخوالدة

العقل السليم في الجسم السليم… وهل يمكن أحيانًا أن يصبح الجسم السليم في العقل السليم أيضًا؟

اعتاد الناس منذ سنوات طويلة على ترديد المقولة الشهيرة:
“العقل السليم في الجسم السليم”،
في إشارة إلى أهمية الصحة الجسدية وأثرها الكبير على التفكير والتركيز والمزاج وجودة الحياة.

لكن التطورات الحديثة في علم النفس والصحة السلوكية بدأت تنظر إلى المعادلة بصورة أعمق وأكثر تكاملًا؛
فكما يؤثر الجسد على النفس، فإن النفس أيضًا تؤثر بصورة مباشرة على الجسد.

فالإنسان المرهق نفسيًا قد يعاني اضطرابات نوم، وإجهادًا جسديًا، وضعفًا في الطاقة والتركيز، وربما مشكلات صحية مرتبطة بالتوتر المزمن ونمط الحياة غير المتوازن.

ومن هنا بدأ المختصون يتحدثون بصورة غير مباشرة عن معنى آخر مكمّل للمقولة القديمة:
“وأحيانًا… يصبح الجسم السليم في العقل السليم أيضًا.”

فالعقل المرهق بالقلق والفوضى والانفعال المستمر قد يستنزف الجسد تدريجيًا،
بينما يساعد التوازن النفسي، والنوم المنتظم، والحركة، والهدوء الداخلي، وإدارة الضغوط، على تحسين جودة الحياة نفسيًا وجسديًا معًا.

ولهذا أصبحت “رعاية الذات” في علم النفس الحديث جزءًا أساسيًا من الوقاية النفسية، وليست مجرد رفاهية أو كلمات تحفيزية عابرة.

كثير من الناس يظنون أن المشكلات النفسية تبدأ فجأة،
لكن الواقع أن جزءًا كبيرًا من الإنهاك النفسي يتراكم بصمت عبر العادات اليومية الخاطئة، والضغوط المستمرة، وإهمال الإنسان لنفسه لفترات طويلة.

فالعقل والجسد لا يعملان بمعزل عن بعضهما؛
اضطراب النوم يؤثر على المزاج،
والتوتر المستمر يؤثر على التركيز،
وقلة الحركة تؤثر على الطاقة النفسية،
والفوضى اليومية قد تتحول تدريجيًا إلى إنهاك نفسي حقيقي.

ومن الملاحظ عمليًا أن كثيرًا من الناس يحاولون إصلاح حياتهم عبر قرارات كبيرة ومثالية، ثم يفشلون سريعًا، بينما التغيير الحقيقي يبدأ غالبًا من خطوات صغيرة ولكن مستمرة.

ومن أهم الممارسات التطبيقية التي تساعد على حماية الإنسان نفسيًا وجسديًا:

تنظيم النوم، لأن السهر المزمن من أكثر العوامل التي ترفع التوتر والانفعال وضعف التركيز، والدماغ يحتاج إلى ساعات نوم منتظمة حتى يستطيع تنظيم المزاج والانفعالات والقدرة على التحمل النفسي.

وتقليل الفوضى الرقمية الناتجة عن الاستخدام المفرط للهاتف والإشعارات والأخبار المتدفقة، لأن الدماغ المرهق بالمحفزات المستمرة يفقد تدريجيًا قدرته على التركيز والهدوء.

كما أن الحركة اليومية، حتى لو كانت بسيطة كالمشي المنتظم، تساعد على تحسين المزاج وتقليل التوتر وتنشيط الجسم نفسيًا وجسديًا، وقد أظهرت دراسات كثيرة أن النشاط البدني المعتدل يساهم في تحسين بعض أعراض القلق والاكتئاب والإجهاد النفسي.

ومن الجوانب المهمة أيضًا إعادة تقييم العلاقات المستنزفة نفسيًا، لأن بعض الناس يعيشون سنوات طويلة تحت ضغط المجاملة أو الاستنزاف العاطفي دون أن ينتبهوا إلى أثر ذلك على صحتهم النفسية والجسدية.

ورعاية الذات لا تعني الأنانية أو الانعزال، بل تعني أن يعرف الإنسان كيف يضع حدودًا متوازنة تحمي صحته النفسية وكرامته الإنسانية.

كما أن المقارنات اليومية عبر مواقع التواصل الاجتماعي أصبحت من أبرز مصادر الضغط النفسي الحديث، إذ يعيش البعض حالة دائمة من الشعور بالنقص نتيجة مقارنة واقعهم الحقيقي بصور مثالية ينشرها الآخرون.

ولهذا فإن تخصيص وقت للهدوء، أو المشي، أو القراءة، أو التأمل الواقعي، يساعد الإنسان على استعادة شيء من التوازن النفسي الذي فقده وسط الضجيج اليومي المتسارع.

وفي النهاية،
لا تعني الصحة النفسية أن يعيش الإنسان بلا ضغوط أو حزن،
بل أن يمتلك قدرة أفضل على إدارة حياته وانفعالاته واستنزافه اليومي بصورة أكثر وعيًا واتزانًا.

فالحياة الطيبة لا تُبنى بالكمال،
بل تُبنى بالتوازن.

د. زيد إحسان الخوالدة
دكتوراه علم النفس العيادي / الإكلينيكي
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم