لم تسلم من شره حتى زوجته المريضة وأغنامه!

منذ 39 دقيقة
المشاهدات : 20677
لم تسلم من شره حتى زوجته المريضة وأغنامه!

سرايا - شهدت الولايات المتحدة في 18 مايو 1927 واحدة من أسوأ المجازر في تاريخها، حين قام عضو ساخط في مجلس إدارة مدرسة بمدينة باث بولاية ميشيغان بتدبير عملية تفجير أودت بحياة الكثيرين.

لم تكن هذه الحادثة الأكثر دموية في الولايات المتحدة خلال تلك الحقبة فحسب، بل بقيت أيضا علامة سوداء في سجل العنف المدرسي لعقود طويلة.

أسفرت المأساة عن مقتل 45 شخصا لمن فيهم منفذ الهجوم نفسه، إلى جانب 38 تلميذا وستة من البالغين، كما أصيب ما لا يقل عن 58 آخرين، وكان معظم الضحايا من الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين السابعة والرابعة عشرة.

في ذلك الزمن البعيد، لم يكن الجاني مراهقا مضطربا كما قد يتصور البعض، بل مزارعا في الخامسة والخمسين من عمره يُدعى أندرو فيليب كيهو. كان الرجل قد عمل في مجلس إدارة المدرسة أمينا للصندوق ثم كاتبا، ودخل في خلافات حادة مع أعضاء آخرين في المجلس، ولا سيما مع المشرف إيموري هويك، الذي اتهمه بـ"الإهمال المالي".

لم تكن هذه الخلافات الشخصية وحدها الدافع وراء الجريمة المروعة، بل تزامنت مع أزمة مالية خانقة عاشها كيهو، إذ كان قد فرض ضريبة إضافية لتمويل بناء مبنى مدرسي جديد، بينما كان هو نفسه عاجزا عن سداد أقساط رهن عقاري. في يونيو 1926، تلقى إشعارا بالحجز على منزله، وفي الوقت نفسه شُخصت زوجته إيلين بمرض السل، ما فاقم من أوضاعه وزاد من كآبته.

بدلا من البحث عن حلول عملية لمشاكله، شرع كيهو في شراء كميات كبيرة من المتفجرات، وحصل في المجمل على أكثر من مئتي كيلوغرام من الديناميت. في تلك الحقبة، كانت المتفجرات متوفرة بسهولة، وكان المزارعون يستخدمونها في أعمال الحفر والبناء، لذا لم تثر مشترياته الكبيرة أي شكوك.

إلى جانب ذلك، اقتنى بندقية من طراز "وينشستر" الشهيرة التي أطلق عليها لقب "البندقية التي غطت الغرب الأمريكي"، نظرا لدورها البارز في تاريخ الولايات المتحدة خلال القرن التاسع عشر.

استغل كيهو منصبه في مجلس الإدارة وصلاحياته التي مكنته من دخول المدرسة بحرية، إضافة إلى عمله كهربائيا، فشرع تدريجيا في تهريب المتفجرات إلى داخل المبنى وإخفائها في أماكن سرية. كان يخطط لتدمير المدرسة بالكامل، إلا أنه أغفل بعض التفاصيل الفنية لقلة خبرته في أساليب الهدم المنهجي.

قبل تنفيذ جريمته، قتل زوجته المريضة إيلين بضربها بجسم ثقيل على رأسها. ثم علَّق على سياج مزرعته لافتة كُتب عليها عبارة: "المجرمون يُصنعون، ولا يُولدون".

في صباح يوم 18 مايو، الساعة 8:45، أشعل النار في مزرعته باستخدام قنابل حارقة، وكان قد ربط جميع حيوانات المزرعة مسبقا ليضمن نفوقها في الحريق. في اللحظة نفسها، هز انفجار ضخم مبنى المدرسة، ودمر الديناميت المزروع في الجناح الشمالي جزءا كبيرا منه، ما أسفر عن مقتل 35 طفلا وشخصين بالغين على الفور.

بعد نصف ساعة من الانفجار، وصل كيهو إلى موقع المدرسة بشاحنة محملة بالمتفجرات. ترجَّل ولوَّح بيده، ثم أشار إلى المشرف إيموري هويك كي يقترب منه، وعندها فجَّر القنبلة في الشاحنة. أدى الانفجار إلى مقتل كيهو وهويك وشخص بالغ آخر كان في مكان قريب. كما توفيت الطالبة كليو كلايتون، البالغة من العمر ثماني سنوات، متأثرة بجراحها الناجمة عن شظايا الشاحنة، وأصيب مدير مكتب البريد غلين سميث بجروح خطيرة، وفقد ساقه في الانفجار، ثم توفي بعد يوم واحد.

في 22 أغسطس 1927، توفيت بياتريس غيبس، البالغة من العمر عشر سنوات، متأثرة بجراحها أيضا، لتكون الضحية الخامسة والأربعين والأخيرة المرتبطة مباشرة بالمأساة. لكن المصائب لم تتوقف عند هذا الحد، فبعد عام من الانفجار، توفي ريتشارد فريتز، البالغ من العمر تسع سنوات، إثر التهاب عضلة القلب الناجم عن عدوى أصيب بها خلال الهجوم.

خلص التحقيق في هذه الحادثة الدموية إلى أن كيهو تصرف بمفرده، دون أي شركاء أو مساعدين. وخضع مدير المدرسة وأعضاء مجلس إدارتها للتحقيق بتهمة الإهمال الجنائي، إلا أن التهم أُسقطت عنهم في النهاية، وذلك لأن كيهو تصرف بحذر شديد، ولم يكن بإمكان أحد أن يشك في تخطيطه لهجوم إرهابي بهذا الحجم.

ما يلفت النظر أن مجزرة مدرسة باث تصدرت الصفحة الأولى من صحيفة "نيويورك تايمز" في اليوم التالي، لكن لم تمض 24 ساعة حتى طغى على المأساة خبر آخر مثير: أول رحلة طيران فردية ناجحة لتشارلز ليندبيرغ عبر المحيط الأطلسي من نيويورك إلى باريس.

المثير للدهشة أيضا أن أكبر هجوم تتعرض له مدرسة في التاريخ في الولايات المتحدة جرى في عام 1927، في ذلك الوقت البعيد قبل عقود طويلة من ظهور وانتشار الإنترنت وألعاب الكمبيوتر، المتهمتان في التأثير والتحريض على مثل هذا النوع من العنف الأعمى الموجه ضد المدارس والذي تكرر على مر العقود الماضية في عدة دول في العالم.

رغم مرور كل هذه الحقبة الطويلة من الزمن، تظل مجزرة باث مثالا صادما على أن جذور العنف الأعمى ضد المدارس ليست وليدة العصر الرقمي، بل هي أعمق وأقدم، وقد تركت خلفها هذه الحادثة الدموية ومثيلاتها آلاما لا تُنسى وأسئلة لم تجد إجابات شافية حتى الآن.

إقرأ ايضاَ
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم