م.صلاح طه عبيدات يكتب: مسالك الاستدراج .. في تحقيق الاستنعاج

منذ 32 دقيقة
المشاهدات : 15475
م.صلاح طه عبيدات يكتب: مسالك الاستدراج  .. في تحقيق الاستنعاج
م. صلاح طه عبيدات

م. صلاح طه عبيدات

إن خطورة الفساد في الدول التي تحترم مؤسساتها لا تقاس فقط بحجم الأموال المهدورة، بل بمدى تحوّل السلطة العامة إلى أداة لخدمة العلاقات الشخصية، وتصفية الحسابات، وشراء الصمت، وإعادة تدوير الأشخاص رغم الشبهات الثقيلة التي تلاحقهم. فحين تفقد الوظيفة العامة قدسيتها، يصبح الخلل أخطر من مجرد مخالفة إدارية؛ إنه تصدع أخلاقي يضرب فكرة الدولة ذاتها.
الحديث اليوم لم يعد محصورًا في تجاوزات مالية تقليدية أو أخطاء إجرائية عابرة، بل في نمط إداري مقلق يقوم على توظيف النفوذ لحماية أفراد بعينهم، وصناعة “نجوم وظيفيين” خارج معايير الكفاءة والاستحقاق. وعندما تتكرر الأسئلة حول كيفية صعود بعض الأسماء بسرعة لافتة رغم ضعف السجل المهني أو تراجع النتائج الرسمية، فإن الرأي العام يصبح أمام معادلة شديدة الحساسية: هل ما زالت الكفاءة هي الطريق إلى المواقع القيادية، أم أن هناك أبوابًا أخرى تُفتح في العتمة؟
الأخطر من ذلك أن بعض المؤسسات تتحول، مع الوقت، إلى بيئات مغلقة تُدار بمنطق الولاءات والعلاقات الخاصة، لا بمنطق القانون. وهنا تبدأ مظاهر الانهيار الصامت: تفصيل شواغر، منح امتيازات استثنائية، تجاوز للرقابة، وتحييد لكل من يحاول الاعتراض أو كشف الخلل. وعندما يشعر الموظف النزيه أن الجهد والخبرة لم يعودا معيارًا للترقي، تتآكل الثقة الداخلية بالمؤسسة، ويتحول الإحباط إلى ثقافة عامة.
أما الكارثة الكبرى فتظهر حين يصبح “الصمت” سلعة قابلة للمقايضة. ففي الأنظمة الإدارية السليمة، أي شبهة تمس السلوك الوظيفي أو استغلال المنصب تستدعي تحقيقًا فوريًا وشفافًا. لكن في البيئات المأزومة، قد يجري احتواء الفضائح عبر الترقيات، أو إعادة توزيع المناصب، أو منح الامتيازات لإغلاق الملفات بدل فتحها. وهنا تتحول الدولة من جهة رقابية إلى طرف متورط في التغطية، ولو بالصمت.
إن أخطر ما يمكن أن تواجهه أي دولة ليس وجود أخطاء فردية، بل غياب الإرادة المؤسسية للمحاسبة. فالمناصب العليا ليست مكافآت اجتماعية، ولا أدوات لتدوير النفوذ، بل مواقع حساسة يُفترض أن تُمنح بعد تدقيق صارم في الكفاءة والسلوك والنزاهة. وعندما تُمرر التعيينات رغم الضجيج والشبهات والتقارير الرقابية، فإن الرسالة التي تصل للمجتمع مدمرة: “لا شيء يمنع الصعود… مهما كانت التجاوزات”.
إن حماية هيبة الإدارة العامة لا تتحقق بالشعارات، بل بإجراءات واضحة وشفافة تُعيد الاعتبار لمبدأ تكافؤ الفرص، وتؤكد أن الوظيفة العامة مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون امتيازًا. فالدولة التي تتسامح مع استغلال النفوذ، أو تتهاون مع العبث القيمي داخل مؤسساتها، تفتح الباب تدريجيًا أمام انهيار الثقة بين المواطن والإدارة، وبين المجتمع وفكرة العدالة ذاتها.

تبقى الحقيقة الأهم: لا يمكن بناء مؤسسات قوية بعقلية التستر، ولا يمكن ترميم الثقة بقرارات ترقيعية. وحدها المحاسبة العادلة، والشفافية، وسيادة القانون، قادرة على إنقاذ الإدارة العامة من التحول إلى مساحة رمادية تُدار فيها المصالح الشخصية على حساب هيبة الدولة وكرامة الوظيفة العامة.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم