"حفريات في المشهد الثقافي الأردني"

منذ 4 ساعات
المشاهدات : 10652
"حفريات في المشهد الثقافي الأردني"
سرايا - في هذه السلسلة الحوارية، نقترب من المشهد الثقافي الأردني عبر عين الناقد؛ لا بوصفه مراقبًا محايدًا، بل قارئًا للأسئلة العميقة التي تتحرك تحت سطح النصوص والمؤسسات والظواهر الثقافية.

نحاور نقادًا أردنيين حول الثقافة وأسئلتها المؤجلة، وتحولات الكتابة والذائقة والهوية، محاولين قراءة ما يحدث في المشهد... وما يتخفّى خلفه أيضًا.

وضيف هذه الحلقة هو الناقد الأستاذ الدكتور حسام عزمي العفوري؛ وهو أكاديمي وباحث وناقد أردني، متخصص في اللسانيات العربية التطبيقية. يشغل موقع أمين سر الهيئة الإدارية لجمعية النقاد الأردنيين، إلى جانب عضويته في رابطة الكتاب الأردنيين والاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب.

تمتد مسيرته التدريسية الحافلة عبر كبريات الجامعات الأردنية والعربية والدولية منها: جامعة البلقاء التطبيقية (الأردن)، وجامعة الملك فيصل (السعودية)، وجامعة الإسراء بمنيسوتا الأمريكيّة، يتمركز مشروعه المعرفي في حقول الصوتيات المخبرية، وميكانيزما اللغة، وعلم العروض، وتحليل الخطاب؛ حيث رفَدَ المجلاتِ الأكاديميةَ بمجموعةٍ من الأبحاثِ والدراساتِ المحكَّمة، وأثرى المكتبةَ العربيةَ بنخبةٍ من المؤلفاتِ الوازنة، أبرزها كتابه الصادر حديثاً (الدرس الوافي في علمي العروض والقوافي/ 2026)، وفي النقد الأدبي: كتاب (منازل المعنى في تجربة نضال القاسم الشعرية/ 2020) و(الإيقاع الحكائي في تجربة عبد الرحيم جداية الشعرية/ 2022)، فضلاً عن منجزه الإبداعي في ديوان (مداد الروح) ومسرحية (فلستيا). ويجمع العفوري في طروحاته بين رصانة التحقيق الفيزيائي للصوت وبلاغة النقد المعاصر.

لو طُلب منك أن تصف المشهد الثقافي الأردني بكلمات قليلة، فماذا تقول؟

- هو مشهدٌ (حيويٌّ بيدَ أنه متشظٍّ)؛ تكتنزُ بنيتُه طاقاتٍ إبداعيةً هائلةً وتجاربَ فرديةً وازنةً، لكنه يعوزه ناظمٌ مؤسسيٌّ يحيلُ هذه النتاجاتِ إلى مشروعٍ ثقافيٍّ مستدامٍ، عابرٍ للحدود.

هل تغيّرت الثقافة الأردنية فعلًا خلال السنوات الأخيرة، أم أننا نعيد تدوير الأسماء والخطابات ذاتها؟

- ثمة انعطافٌ لافتٌ في (الوعي الإبداعي) لدى الأجيال الجديدة، بيدَ أنَّ الخطاب الثقافي المؤسسي لا يزال مرتهناً لنمطيةٍ رتيبةٍ في الأسماء والوجوه. إننا أحوج ما نكون اليوم إلى زحزحة هذا التدوير العقيم، عبر نقدٍ معرفيٍّ يفكك الأصنام الثقافية، ويحتفي بالمنجز الإبداعي لا بالمنصب.

برأيك، هل ما يزال النقد قادرًا على صناعة أثر حقيقي، أم أصبح صوته أخفت من ضجيج المنصات الرقمية؟

- النقدُ الحقيقيُّ عصيٌّ على الزوال، بيدَ أنه يواجه اليومَ مأزقَ (التدفّقِ المتسارع)؛ إذ يبدو صوتُ النقدِ الأكاديميِّ الرصينِ خافتاً ومحاصَراً أمام صخبِ المنصاتِ الرقمية، لكنه يظلُّ، رغماً عن ذلك، المرجعيةَ الحاصفةَ والوحيدةَ القادرةَ على غَربلةِ الغَثِّ من السَّمينِ حينما يخبو ضجيجُ مشهد المنصاتِ الرقمية.

لماذا يبدو بعض المبدعين خارج الضوء دائمًا، فيما تبقى أسماء بعينها في الواجهة؟

- ذلك أنَّ (صناعة النجومية) في مشهدنا الراهن باتت تذعنُ – في أحايين كثيرة – لمنطق العلاقات العامة والشبكات المصلحية، على حساب القيمة الإبداعية المجرَّدة. وفي المقابل، ثمة مبدعون حقيقيون يترفعون عن خوض غمار (مزادات) الأضواء، وهنا تحديداً يتجلى دور الناقد بوصفه حافراً أركيولوجياً، تقع على عاتقه مسؤولية (إماطة اللثام عن) تلك الكنوز المتوارية وإبرازها.

هل لدينا مشروع ثقافي واضح، أم مجرد نشاطات متفرقة تستهلك الجهد ولا تصنع أثرًا؟

- إننا نعيش – بأسف – حالة من (الاستعراض المهرجانيّ)؛ حيث تُختزل الثقافة في أنشطةٍ احتفاليةٍ عابرة، تنقضي بانقضاء زمنِ انعقادها. إنَّ المشروع الثقافي الحقيقي لا يتأسس على الطفرات، بل يتطلب رؤيةً تراكميةً، واستراتيجيةً وطنيةً عابرةً للمناسبات، تعيد ربط فعل الإبداع بالمنظومة التعليمية وبالمعاش اليومي للمتلقي.

أين تكمن أزمة الثقافة الأردنية اليوم: في الكاتب، أم القارئ، أم الناقد، أم المؤسسة الثقافية؟

- إنَّ الأزمةَ هنا بنيويةٌ مركبة، بيدَ أنَّ (المؤسسة الثقافية) تطوَّق بالمسؤولية الأكبر، بحكم تموقعها كراعٍ ومُنظِّمٍ للمشهد. فعندما تنكفئ الرؤية المؤسسية وتغيب استراتيجيتها، تختلُّ الأدوار الحيوية داخل الفضاء الإبداعي؛ إذ يتحول الكاتب إلى مجرد (مغرِّدٍ) يستجدي الاستجابة الفورية، والناقد إلى (مجاملٍ) يُهادن على حساب المعايير، بينما يرتدُّ القارئ أو المتلقي إلى (مُتفرِّجٍ عابر) يفقد شغف التلقي الفاعل.

إلى أي حد نجح الأدب الأردني في إنتاج صوته الخاص عربيًا؟

- لقد أفلح الأدبُ الأردنيُّ بامتياز، لا سيّما في حَقْلَي الرواية والشعر الحديث، في تكريس بصمته الجمالية الخاصة؛ إذ غدا الأديب الأردني اليوم حاضراً في منصات الجوائز الكبرى والمحافل العربية الوازنة، لا من باب التمثيل الجغرافي أو المحاصصة الإقليمية، بل بوصفه قوةً إبداعيةً حافزةً ومنافسةً تفرض منجزها المعرفي والجمالي بجديرة.

كيف غيّرت وسائل التواصل الاجتماعي شكل الكتابة والنجومية الثقافية؟

- لقد انزاحت الكتابةُ بفعلِ هذه المنصات من سياقِها كـ (فعلِ تأمُّلٍ) رصين، لتغدو مجرد (فعلِ استجابةٍ فوريةٍ) عابرة. إذ غدت تمنحُ صدارةَ النجومية لمن يُتقن آلياتِ التواصلِ الافتراضي وشروطَه التسويقية، لا لمن يمتلك كفايةَ الكتابةِ وجودتَها بالضرورة، الأمر الذي أحدث فجوةً بنيويةً واضحةً بين منطق (الانتشار) الأفقي وسؤال (العمق) المعرفي والجمالي.

هل منحت المنصات الرقمية فرصة حقيقية للأصوات الجديدة، أم أنها كرّست ثقافة الضجيج السريع؟

- إنها تتجلى كـ(سيفٍ ذي حدين)؛ إذ شرّعت للأصوات المهمشة منابر حرة للانعتاق، بيد أنها في الآن ذاته، رسّخت سطوة (النص السريع) المحكوم بالخفة والعجلة، والفاقد لشرط المراجعة والتحرير الصارم، الأمر الذي ضاعف من حدة الصخب الثقافي وعزّز هيمنته على حساب الرصانة الجمالية.

أين يقف الناقد اليوم: مع النص، أم مع الاسم، أم بينهما بحذر؟

- ينبغي للناقد أن يتموضع مع (النص) بوصفه بنيةً جماليةً مكتفيةً بذاتها، ومع (السياق) باعتباره ضرورةً معرفيةً لا غنى عنها؛ فالناقد الحقيقي هو مَن يجسر على ممارسة (العنف الجمالي) الإيجابي، ذلك الذي يعيد تفكيك النص ومساءلته، بمنأى عن هيبة الاسم أو سطوة الحذر الكابحة.

ما الذي لم يجرؤ الأدب الأردني على قوله حتى الآن؟

- إنَّ الأدبَ الأردنيَّ لا يزال يتهيبُ مغادرةَ (الهوامش المطمئنة) نحو الاختراق الصادم والمكاشفة الجذرية؛ إذ يلوذُ غالباً بالمعالجات المواربة كلما واجهَ أسئلةَ (البنى الاجتماعية العميقة) أو اشتبكَ مع التباسات وتصدعات (الهوية المعاصرة)، مفضلاً المداراة على حساب خلخلة الثوابت وتفكيك (التقاليد الاجتماعية السائدة).

أخيرًا... ما السؤال الذي ما تزال الثقافة الأردنية تخشى مواجهته؟

- إنه سؤال (الجدوى والفاعلية) في أعمق تجلياته؛ هل نملكُ حقاً سلطةَ الأثرِ والتأثيرِ في وجدانِ المجتمعِ وبنيتِهِ الإدراكية، أم أننا نُمارسُ ضرباً من العزفِ المنفردِ داخلَ (غرفةٍ مظلمةٍ)، لا يرتدُّ فيها الصدى إلا إلينا، ولا يسمعُنا داخلَ جدرانِها النخبويةِ سوى ذواتنا؟

هل ثمة قطيعة معرفية حقيقية بين «جيل الرواد» والأجيال الشابة في الأردن، أم أن العلاقة لا تزال محكومة بالأبوية الثقافية التي تعيق التجديد؟

- لا أستشِفُّ من هذا المشهد (قطيعةً) بمدلولِها المعرفيِّ المُنتِج، بقدرِ ما أراها ارتداداً نحو تشكُّلِ (جُزُرٍ معزولةٍ)؛ إذ تتمايزُ الأجيالُ الشابةُ بحيازةِ أدواتٍ تقنيةٍ وحساسيةٍ جماليةٍ مغايرةٍ، بيدَ أنها ما انفكَّت تصطدمُ بـ(أبويةٍ ثقافيةٍ) واصيةٍ تحاولُ قسرَ معاييرِها التقليديةِ وتمريرَها بوصفِها القيمَ المطلقةَ للوجدان. إنَّ التجديدَ الحقيقيَّ لا يتأتَّى إلا بـخلخلةِ هذه (السلطةِ الأبويةِ)، لا من منظورِ الإلغاءِ أو النفيِ الإقصائي، بل بهدفِ صياغةِ حوارٍ (ندّيٍّ) متكافئٍ يردمُ الفجوةَ البنيويةَ، ويُتيحُ تدفُّقَ الخبراتِ في فضاءٍ إبداعيٍّ يتحللُ من سطوةِ الوصاية.

هل نجح النقد الأكاديمي الأردني في مغادرة أسوار الجامعات والاشتباك مع القضايا اليومية للمبدع والجمهور، أم أنه انكفأ على تنظيرات معزولة عن نبض الشارع الثقافي؟

- لقد بقي النقدُ الأكاديميُّ الأردنيُّ في جُلِّهِ، للأسف، رهينَ هاجسِ (الترقياتِ العلميةِ) ومقتضياتِ (الأطرِ المنهجيةِ الجافةِ)، الأمرُ الذي قادَهُ إلى الانكفاءِ داخلَ الأسوارِ الجامعيةِ المصمتةِ؛ إذ أخفقَ في الاشتباكِ الحيويِّ مع نبضِ الراهنِ الثقافي، ليرتدَّ إلى مجردِ (نقدٍ مناسباتيٍّ) عابر، أو (تنظيرٍ معزولٍ) عن بيئتهِ الحاضنةِ. إننا في مسيسِ الحاجةِ اليومَ إلى انبعاثِ الناقدِ (العضويِّ) الذي يهجرُ برجَهُ العاجيَّ، ليمنحَ المنجزَ الإبداعيَّ اليوميَّ حقَّهُ من الحفرِ والتحليلِ، مغلِّقاً بذلك المسافةَ البنيويةَ بين صرامةِ النظريةِ وذائقةِ التلقي لدى الجمهور.

الدستور
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم