المجالي يكتب: العشائرية بين الشيطنة والطيشنة

منذ 1 ساعة
المشاهدات : 9772
 المجالي يكتب: العشائرية بين الشيطنة والطيشنة
أ.د طارق عبد القادر المجالي

أ.د طارق عبد القادر المجالي

إنّ المستعرض لِما آلت إليه الأمور في عصرنا هذا، عصر المواقع الإلكترونية العامة والخاصة ، وعبر صفحات التواصل الاجتماعي الفردية والجمعية، يقف حائرا إزاءَ اتجاهين بارزين ظاهرين على امتداد مساحة الوطن ؛ اتجاه قبليّ عشائريّ مناطقيّ صِرف، يرى أن الوطن قبيلة أو عشيرة ،وأنهما وجهان لعملة واحدة، بل هما توءم سياميّ حدّ التماثل والالتصاق التّام.
إنّ هؤلاء ينطلقون من بنية مفاهيميّة ترسّخت في ذهنيتهم المتوارثة عبر الأجيال المتعاقبة، وهي أن القبيلة هي كل شيء صالحة للماضي والحاضر والمستقبل بذات الأدوات القديمة ، ويدعم هذا الرأي أن المجتمع الأردني نشأ قبلياّ وعشائرياّ ، وهذا صحيح، فالمجتمع أول ما قام ، وقبل تأسيس الإمارة، على هذا الشكل من التنظيم والإدارة في غياب الدولة والمجتمع المدني.
لقد شكّلت القبيلة في تركيبتها الأولى نظاما متكاملا في شتّى المجالات الحيويّة لمجتمع بدويّ أو وريفيّ عماده الرعي والزراعة ، ولقد حاول تنظيم نفسه وحمايتها بتحالفات وتجمعات وحكومات محليّة أحيانا حفاظا على السلم المجتمعي في حلّهم وترحالهم، ما نتجت عنه صور مشرقة وظهرت بوادر التعاون والتلاحم والتوازن الأمني للأفراد وكثير من العادات والتقاليد ومقاطع من البطولة والفروسية محفوظة في التراث الشفوي الجميل وأدبيات الاتصال البناء ما أحدث استقرارا نسبيا وشعورا بالأمن والسلم وفض المنازعات بقوانين عشائرية رادعة وصارمة اتفقوا عليها وحفظت حقوق الأفراد والجماعات.
وعلى هذا الأساس البناّء نهضت الإمارة، فكانت العشائر الأردنية ركيزة الدولة، ومدماكها الأول في بناء وطن مستقر آمن، لا يحق لأيّ من كان أن ينتقص من دورها الإيجابي في تأسيس الدولة، وألاّ تشيطن بصورة من الصّور المسيئة لدورها الرائد.
أما الاتجاه الآخر الذي نشاهد مظاهره المتطرفة ، فهو من القبيلة ذاتها التي حوّلت القبيلة إلى قبائلية مقيتة، والعشيرة إلى عشائرية مميتة، وهي في ظل دولة المؤسسات والقانون الحاكم لكل مفاصل المجتمع .
هؤلاء يرون ،في كثير من المجالات، أن العشيرة أكبر من الدولة، فأعمى الطيش بصائرهم (فطيشنوها) ورفعوها فوق الدولة، ومن السّهولة بمكان أن نرى أثر هذه الطيشنة في تقسيم الوطن إلى ( كنتونات) متناثرة ، نفخوا بكور العشيرة فضخموها وفخموها ونرجسوها وقدسوها على حساب البعد الوطني ، وحق المواطنة ، فوقعت القبيلة بين مطرقة الشيطنة وسندان الطيشنة .
إن مظاهر الطيشنة الرّعناء التي نراها في الأفراح والأتراح والجاهات والعطوات وحوادث القتل والجلوات والبذخ المظهري واستدعاء بطولات الأجداد الوهمية ،ومطالبات النواب الضيقة وتوزيع الحقائب والمناصب والمكاسب والأعطيات والهبات والجوائز والحوافز، وتوزيع مقاعد المجالس المحلية، وانتخابات مجالس اتحادات الطلبة ... كل هذه المظاهر المطيشنة رضوخا لمفاهيم قبائلية وعشائرية لا تبني وطنا موحدا سماءه القانون وأرضه المواطنة والإنجاز، إنّ ما يريده المواطن الأردني أن يعيش تحت مظلة القانون، الذي يغطي المجموع، ولا ولاء إلا للوطن. فإذا كانت العشيرة هي نواة المجتمع، فإن جذورها وساقها وأغصانها وثمارها هي شجرة الوطن الباسقة . شجرة تٌسقى بماء واحد، ويأكل من ثمرها كل جائع ،ويستظل بفيئها كل متعب.

شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم