اللواء الغبين يكتب :إيران والصراع الذي لم يعد قابلاً للحسم

منذ 47 دقيقة
المشاهدات : 16604
اللواء الغبين يكتب :إيران والصراع الذي لم يعد قابلاً للحسم
سرايا - بقلم: اللواء الركن المتقاعد طلال الغبين

أخطر ما في الصراع الدائر في المنطقة ليس حجم التصعيد، بل عجز الجميع عن تحويل القوة إلى حسم نهائي.

ما يجري في الشرق الأوسط لم يعد سهل الفهم كما كان في السابق. فالمشهد يبدو مليئاً بالتناقضات التي تجعل كثيراً من التحليلات عاجزة عن تفسيره بصورة مقنعة. إيران تخضع منذ سنوات لعقوبات وضغوط سياسية وأمنية واقتصادية متواصلة، ومع ذلك تتحدث اليوم بثقة واضحة، وتفاوض بسقف مرتفع، وتتصرف أحياناً وكأنها ليست الطرف المحاصر أو المأزوم، بل الطرف الذي يعتقد أن الوقت يعمل لصالحه.

هذه المفارقة هي جوهر المشهد كله. فالصورة التقليدية للصراع كانت تقوم على افتراض بسيط: كلما زاد الضغط على إيران اقتربت من التراجع أو تقديم التنازلات. لكن ما حدث فعلياً يبدو مختلفاً. فبدلاً من أن تنكسر، وصلت إيران إلى مرحلة تفاوضية تتحدث فيها بلغة الندية، بينما تبدو القوى التي تمتلك التفوق العسكري الأكبر أكثر حذراً في الذهاب نحو مواجهة مفتوحة أو حسم نهائي.

وهنا يبدأ السؤال الحقيقي: لماذا تتصرف إيران بهذه الثقة؟

الخطأ في كثير من القراءات أنها تحاول فهم ما يجري بمنطق القوة العسكرية المباشرة فقط، بينما التحول الأهم حدث في طبيعة الصراع نفسه. فالقضية لم تعد مرتبطة بمن يملك السلاح الأقوى، بل بمن يستطيع تحمل نتائج استخدامه. الولايات المتحدة ما تزال القوة العسكرية الأكبر في العالم، وإسرائيل ما تزال تمتلك تفوقاً عسكرياً واضحاً، لكن المشكلة لم تعد في القدرة على توجيه الضربات، بل في القدرة على السيطرة على ما يمكن أن يحدث بعدها.

إيران تدرك أنها لا تستطيع الانتصار في حرب تقليدية مفتوحة، لكنها تدرك أيضاً أن خصومها لم يعودوا قادرين على تحمل كلفة الحسم الكامل، لأن أي مواجهة واسعة لم تعد قابلة للبقاء داخل حدودها العسكرية. ولهذا لا تتصرف إيران كدولة تشعر بأنها حققت انتصاراً حاسماً، بل كدولة تعتقد أنها نجحت في منع خصومها من فرض النهاية التي أرادوها. فطهران لا تبني ثقتها على التفوق العسكري المباشر، بل على قناعة بأن كلفة الحسم أصبحت أعلى من قدرة الجميع على تحملها.

والمفارقة أن جميع الأطراف تتفاوض اليوم ليس لأنها اقتربت من الحل، بل لأنها اكتشفت استحالة الحسم.

هذا ما يفسر التحول التدريجي في طريقة التعامل مع إيران. فبعد سنوات من الحديث عن العزل أو إعادة تشكيل المنطقة بالقوة، انتهى المشهد إلى تفاوض وضغوط محسوبة ومحاولات لإدارة التوازنات بدلاً من كسرها. وكأن جميع الأطراف وصلت، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إلى إدراك بأن القوة ما تزال قادرة على الردع والتعطيل، لكنها لم تعد قادرة وحدها على إنتاج تسويات نهائية. ولهذا يبدو المشهد أحياناً وكأنه محكوم بقواعد غير معلنة؛ تصعيد محسوب يمنع الانفجار ولا ينهي الصراع.

كما أن العالم نفسه تغير. فالولايات المتحدة لم تعد تتعامل مع الشرق الأوسط بعقلية ما بعد الحرب الباردة، حين كانت قادرة على فرض ترتيبات كبرى بالقوة وحدها. كما أن التحولات الدولية الحالية، خصوصاً تصاعد الدور الصيني وانشغال واشنطن بمنافسات دولية أوسع، جعلت البيئة الدولية أقل قابلية للحروب المفتوحة وأكثر ميلاً إلى إدارة التوازنات ومنع الانفجار الكبير. ولم تعد دول المنطقة نفسها، رغم قلقها من النفوذ الإيراني، تنظر إلى الصراع بمنطق الحسم الكامل، بل بمنطق احتواء التصعيد ومنع انهيار التوازنات الهشة التي تحكم الإقليم. وهو ما تدركه إيران جيداً في طريقة تفاوضها الحالية.

لكن السؤال الأهم لم يعد متعلقاً بسبب التفاوض فقط، بل إلى أين يمكن أن تنتهي هذه المفاوضات أصلاً. فالقضية لم تعد مجرد ملف يمكن إغلاقه باتفاق سياسي، بل أصبحت مرتبطة بشكل التوازنات الإقليمية نفسها. إيران تريد تثبيت الاعتراف بدورها الإقليمي ومنع العودة إلى سياسة خنقها أو محاولة إسقاطها، بينما تسعى الولايات المتحدة إلى احتواء النفوذ الإيراني لا الدخول في حرب شاملة معه، في حين تخشى إسرائيل أن يتحول أي اتفاق طويل الأمد إلى واقع يكرس وجود إيران لاعباً دائماً في معادلات المنطقة.

ولهذا تبدو المفاوضات متجهة نحو إدارة الصراع لا إنهائه؛ تفاهمات جزئية، وضبط للاشتباك، وتوازن قلق يمنع الانفجار دون أن يصنع سلاماً حقيقياً. فالقضية لم تعد مرتبطة بمن ينتصر بالكامل، بل بمن يستطيع الصمود ومنع سقوطه داخل شرق أوسط تغيرت فيه طبيعة القوة، ولم يعد الحسم فيه ممكناً كما كان في السابق.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم