الحنفي يكتب: المعلم بين رسالة السماء وحسابات الأرض

منذ 44 دقيقة
المشاهدات : 7700
 الحنفي يكتب: المعلم بين رسالة السماء وحسابات الأرض
د. زياد جلال الحنفي

د. زياد جلال الحنفي

قالوا إن المدرسة هي البيت الثاني، المكان الذي تتشكل فيه شخصيتنا، وتُغرس فيه قيمنا الأولى، وتُضاء فيه شموع المعرفة التي ترافقنا طوال العمر، وقالوا إن المدرسة هي بداية المستقبل، والنافذة التي نطل منها على عالم أوسع وأكثر جمالًا، وقالوا إن المعلم هو الباني الحقيقي للأمم، وأنه ذلك الإنسان الذي يزرع في العقول فكرة، وفي القلوب قيمة، وفي النفوس حلمًا.
وقالوا: قم للمعلم وفِّه التبجيلا، كاد المعلم أن يكون رسولًا.
وكان هذا القول يومًا حقيقة لا جدال فيها، فالمعلم لم يكن موظفًا يؤدي ساعات عمل، بل صاحب رسالة.
والمدرسة لم تكن مشروعًا تجاريًا، بل مؤسسة تصنع الإنسان، والتعليم لم يكن سلعة، بل مسؤولية أخلاقية ووطنية وإنسانية.
لكن شيئًا ما تغيّر، تغيّر حين دخل المال إلى التعليم بوصفه صاحب القرار لا وسيلة الدعم، وتغيّر حين أصبحت بعض المدارس تُدار بعقلية الاستثمار البحت، لا بعقلية التربية، وتغيّر حين صار السؤال الأهم في بعض المؤسسات التعليمية: كم حققنا من الأرباح؟ بدلًا من: كم صنعنا من إنسان؟
كم حافظنا على كرامة معلم؟ كم بنينا من شخصية متوازنة وواثقة؟
في هذا الواقع المؤلم، لم تعد المدرسة دائمًا ذلك المكان الذي يحتضن المواهب ويصقل الشخصيات.
وفي بعض البيئات، أصبحت المدرسة مساحة تتحكم فيها الحسابات المالية، والعلاقات الشخصية، والمجاملات الإدارية، أكثر مما تتحكم فيها قيم العدالة والكفاءة والرسالة التربوية.
أما المعلم، الذي كان يومًا رمزًا للهيبة والاحترام، فقد وجد نفسه في كثير من الأحيان محاصرًا بالخوف من نهاية عقد، أو قرار مفاجئ، أو تقييم لا يقيس جودة عمله بقدر ما يقيس مدى صمته ورضاه وموافقته على كل شيء، لم يعد المعيار دائمًا هو الإبداع والإخلاص والقدرة على التأثير في الطلاب، بل أصبح في بعض الأحيان: من يصفق أكثر، يبقى أكثر، ومن يناقش ويقترح ويطالب بالتطوير، يصبح مصدر إزعاج، ومن يرفض النفاق، قد يجد نفسه خارج المنظومة كلها.
وهكذا تحولت العبارة الخالدة في وجداننا: قم للمعلم وفِّه التبجيلا إلى واقع أكثر قسوة يقول ضمنيًا:
كن مطيعًا، صامتًا، تابعًا… حتى يستمر عقدك.
أيُّ خسارة أكبر من أن يشعر المعلم، صاحب الرسالة، بأنه مهدد في رزقه كلما تمسك بمبادئه؟
وأيُّ رسالة يمكن أن تصل إلى الطلبة حين يرون أن الكرامة المهنية أصبحت قابلة للمساومة؟
وأيُّ مستقبل نرجوه إذا أصبح من يربي الأجيال يعمل تحت ضغط الخوف بدلًا من الطمأنينة؟
إن المعلم الذي يفقد شعوره بالأمان الوظيفي لا يفقد راتبه فقط، بل يفقد جزءًا من شغفه، ومن قدرته على العطاء، ومن إحساسه بقيمة ما يقدم.
وحين يُرهق نفسيًا ويُعامل بوصفه رقمًا يمكن استبداله بسهولة، فإن المتضرر الحقيقي ليس المعلم وحده، بل الطالب، والأسرة، والمجتمع بأسره.
فالمدرسة التي لا تحفظ كرامة معلميها لا تستطيع أن تزرع الكرامة في طلابها، والإدارة التي تكافئ الولاء الشخصي أكثر من الكفاءة، تقتل روح المبادرة وتطرد أصحاب الفكر والضمير.
ومجلس الإدارة الذي ينظر إلى التعليم بمنطق العائد المالي وحده، قد ينجح في تعظيم الإيرادات، لكنه يخسر جوهر العملية التربوية.
التعليم لا ينهض بالمباني الفاخرة، ولا بالصور اللامعة، ولا بالحملات التسويقية، إنه ينهض بمعلم يشعر بأنه محترم، آمن، ومقدَّر.
ويزدهر حين يكون القرار التربوي بيد من يفهم معنى التربية، لا بيد من ينظر إليها كأرقام في تقارير الأرباح.
سيبقى المعلم حجر الأساس في بناء الأوطان، مهما حاول البعض اختزال دوره في عقد عمل قابل للإنهاء.
وستبقى المدرسة الحقيقية هي التي تُخرِّج إنسانًا حرًا وواعيًا، لا مؤسسة تخشى فيها الكفاءات من قول الحقيقة، لأن الأمم لا تُبنى بالخوف، ولا بالنفاق، ولا بإسكات أصحاب الرسالة، الأمم تُبنى حين يعود للمعلم احترامه، وللمدرسة رسالتها، وللتعليم إنسانيته.
وعندها فقط، نستطيع أن نردد بثقة وصدق:
قم للمعلم وفِّه التبجيلا… كاد المعلم أن يكون رسولًا.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم