ياسمين عياد تكتب: زواج القاصرات بين الموروث الاجتماعي والواقع الحقوقي

منذ 1 ساعة
المشاهدات : 7799
ياسمين عياد تكتب: زواج القاصرات بين الموروث الاجتماعي والواقع الحقوقي
ياسمين عياد

ياسمين عياد

في ظل السعي العالمي نحو تمكين الإنسان وتحقيق أهداف التنمية المستدامة لعام 2026، تظل قضية "زواج القاصرات" جرحاً غائراً في جسد المجتمعات، وانتهاكاً صارخاً يغتال مستقبل الفتيات تحت مسميات واهية تتستر خلف الموروث الاجتماعي أو الضغوط الاقتصادية؛ فبدلاً من أن تنهل الطفلة من معين المعرفة في مقاعد الدراسة، تُدفع قسراً نحو مسؤوليات جسيمة لا يدرك عقلها الصغير مداها ولا يطيق جسدها تبعاتها الصحية المأساوية، مما يخلق فجوة عميقة في توازنها النفسي والاجتماعي. إن هذا الزواج المبكر يمثل انعكاساً لترسبات ثقافية تختزل مفهوم "الستر" في تزويج الصغيرات، وهو مفهوم قاصر يتجاهل أن الأمان الحقيقي يكمن في العلم والنضج، إذ يؤدي تغليب هذه الموروثات على حقوق الفتاة إلى خلل بنيوي في العلاقة الزوجية تنعدم فيه التوازنات وتتسع فيه الفجوة العمرية والفكرية، فتتحول الشراكة إلى تبعية مطلقة، وتتحول مؤسسة الزواج من سكن ومودة إلى إطار لتعزيز العزلة الاجتماعية وإضعاف دور المرأة في بناء مجتمع متوازن.
إن زواج القاصرات ليس مجرد "عقد قران"، بل هو حكم بالإعدام على فرص الفتاة في التعليم والعمل وتطوير الذات، مما يعيد إنتاج دائرة الفقر والجهل، ناهيك عن المخاطر الجسدية الجسيمة المرتبطة بالحمل والولادة في سن مبكرة والتي تسجل معدلات وفاة مقلقة عالمياً؛ وهذا الواقع يتعارض جوهرياً مع اتفاقية حقوق الطفل التي تكفل حق الفرد في النضج والحماية من الاستغلال. وللأسف، لا تزال هذه الظاهرة تجد ملاذاً في بعض الثغرات التشريعية والقوانين المحلية التي تسمح باستثناءات "تقديرية"، مما يشرعن سلب الطفولة تحت غطاء قانوني هش؛ لذا تبرز الحاجة الماسة لتبني تشريعات صارمة لا تكتفي بتحديد السن القانوني، بل تغلق كافة أبواب الاستثناءات، لضمان مواءمة القوانين الوطنية مع الالتزامات الدولية، بما يشكل ركيزة تحمي حق الفتيات في تقرير المصير.
ختاماً، إن مواجهة هذه الظاهرة تتطلب ثورة في الوعي المجتمعي تقودها القيادة التربوية والمؤسسات الدينية والثقافية لتفكيك القناعات التقليدية، بالتوازي مع برامج تمكين اقتصادي للأسر الفقيرة وإستراتيجيات لبناء شخصية الفتيات وتعزيز ثقتهن بأنفسهن؛ فبناء الشخصية الواعية هو الحصن المنيع الذي يمنح الفتاة القدرة على رسم مسار مستقبلها الأكاديمي والمهني بكل استحقاق، ويحولها من عنصر مستسلم للظروف إلى قوة فاعلة قادرة على قيادة حياتها. إن بناء الأوطان القوية يبدأ من حماية حقوق الصغيرات وضمان نضجهن الفكري والجسدي قبل إلقائهن في أتون حياة زوجية لم تكتمل بوصلتها بعد، ليبقى الاستثمار في تعليم الفتاة هو الضمان الأوحد لمجتمع واعٍ، مستقر، ومتحول من عقلية "الستر بالزواج" إلى عقلية "التمكين بالعلم والنضج".
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم