خالد ملحم يكتب: الدبلوماسية الرياضية الفرنسية: نفوذ ناعم في عالم متغير

منذ 1 ساعة
المشاهدات : 10668
خالد ملحم يكتب: الدبلوماسية الرياضية الفرنسية: نفوذ ناعم في عالم متغير
خالد ملحم

خالد ملحم

يلجأ الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى مشاهد الجري في الإسكندرية ولعب كرة القدم مع القادة الأفارقة، كجزء من استراتيجية دبلوماسية ناعمة تهدف إلى تعزيز حضور فرنسا في مناطق نفوذها التقليدي. هذه الصور الودية، التي تنتشر بسرعة على وسائل التواصل، تعكس محاولة فرنسية لتمييز نفسها عن النموذج الأميركي الأكثر ميلاً للقوة الصلبة.

فبينما تعتمد واشنطن غالباً على القواعد العسكرية، والعقوبات الاقتصادية، والتدخل المباشر الذي كثيراً ما يترك آثاراً عنيفة في المشهد السياسي المحلي، تراهن باريس على أدوات أكثر مرونة وتكيفاً: العلاقات الشخصية بين الرؤساء، الحضور الثقافي واللغوي من خلال شبكة "الفرانكفونية"، والرياضة كجسر للتواصل مع الشعاب والنخب على حد سواء. يمكن القول إن فرنسا تحاول تطوير نموذج نفوذ "أقل تكلفة إعلامية"، يركز على بناء صورة القريب الذي يفهم خصوصية المجتمعات التي كانت جزءاً من إمبراطوريتها الاستعمارية سابقاً.

هذا لا يعني أن السياسات الفرنسية خالية من التوترات أو الحسابات الاقتصادية البحتة. فاستمرار آلية "الفرنك الأفريقي" التي تربط عملات 14 دولة بالخزينة الفرنسية، والوجود العسكري في الساحل الأفريقي تحت شعارات مكافحة الإرهاب، وعقود استخراج اليورانيوم والنفط التي غالباً ما تثير اتهامات بعدم الشفافية، كلها عناصر تثير جدلاً مشروعاً حول مدى احترام السيادة الوطنية لهذه الدول. لكن ما يميز الأسلوب الفرنسي هو قدرته على تغليف هذه السياسات بطبقة سميكة من الدبلوماسية الشخصية والرمزية، مما يجعلها أقل إثارة للاحتجاجات الشعبية العنيفة مقارنة بالتدخلات الأميركية المباشرة التي شهدناها في العراق وأفغانستان.

الرسالة التي يوجهها ماكرون ضمنياً للغرب وأمريكا هي أن "النفوذ في القرن الحادي والعشرين لا يُبنى على القوة المجردة فقط، بل على بناء ثقة تدريجية وحضور يومي في حياة الناس". غير أن هذه الرسالة تواجه تحدياً حقيقياً: هل يمكن لصور الجري ولعب الكرة أن تمحو ذاكرة عقود من السياسات الاستعمارية القديمة؟ وهل ستقبل الأجيال الجديدة في أفريقيا والشرق الأوسط بأن تكون ملاعب الرياضة والشواطئ بديلاً عن علاقات الشراكة المتكافئة في الاقتصاد والأمن؟

تبقى الشعوب العربية والأفريقية هي الحكم الحقيقي في نجاح أو فشل هذه الاستراتيجية. فصور السيلفي وحدها لا تكفي، والمشاهد الودية مهما تكررت لن تسد فجوة الثقة ما لم ترافقها تغييرات ملموسة في السياسات الاقتصادية والعسكرية. من الإنصاف، مع ذلك، الاعتراف أن فرنسا تحاول اليوم، بوسائلها الخاصة وبعض النجاحات النسبية، التكيف مع عالم متعدد الأقطاب لا يحتمل الهيمنة الأحادية، وتجريب نموذج نفوذ أكثر أناقة وإن ظل موضع تساؤل ونقد.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم