من خلال متابعتي وعملي في مجالات الإدارة والحوكمة والتطوير المؤسسي، أرى أن إحدى أكبر الإشكاليات في الدول النامية، ومنها الأردن، تتمثل في استيراد النماذج والأنظمة العالمية ومحاولة تطبيقها كما هي، سواء كانت سياسية كالديمقراطية، أو إدارية كنظم اللامركزية والإدارة المحلية، دون تكييفها بما يتناسب مع واقعنا، ودون بناء البيئة القادرة على إنجاحها واستدامتها.
وفي كثير من الأحيان، استوردنا “الانتخابات” كأداة، لكننا لم نستورد أو نبنِ بنفس المستوى العناصر الأهم التي تجعل هذه النماذج تنجح فعليًا؛ كالتعليم، والوعي السياسي، والإدارة العامة المحترفة، والحوكمة، والرقابة المؤسسية، والمعايير الدقيقة لاختيار الكفاءات.
ولهذا تحولت العملية السياسية أحيانًا إلى منافسات شعبوية وصراعات مصالح وهويات، ودخل المال السياسي وبورصة الإنفاق الانتخابي بقوة إلى المشهد، وأصبح الوصول إلى مواقع القرار يعتمد في بعض الحالات على القدرة على الحشد والتأثير العاطفي أكثر من الكفاءة والخبرة والقدرة على الإدارة.
والأمر ذاته ينطبق على أنظمة الإدارة المحلية واللامركزية. فهذه النماذج أثبتت نجاحها في كثير من دول العالم، لكن نجاحها لم يكن لأنها مجرد هياكل إدارية أو انتخابات محلية، بل لأنها تعمل ضمن منظومة متكاملة من الحوكمة، والمعايير، والكفاءات، والرقابة المؤسسية، والمساءلة، ووضوح الأدوار والصلاحيات.
ومن هنا، أعتقد أن المشكلة الحقيقية ليست في الديمقراطية أو اللامركزية أو أي نموذج إداري حديث، بل في غياب التطبيق الاحترافي، وغياب الحوكمة الفعلية، وغياب ما أسميه “بوابات التصحيح”
Correctness Gates
وهي منظومة من المعايير والضوابط المؤسسية التي تمنع وصول الأشخاص غير المناسبين إلى مواقع القرار، وتمنع كذلك مرور القرارات الخاطئة قبل أن تتحول إلى أزمات يصعب علاجها لاحقًا.
وهذا المفهوم ليس بعيدًا عن الفلسفات الإدارية الحديثة التي نجحت عالميًا، ومنها الفلسفة اليابانية
Poka-Yoke
والتي تقوم على تصميم الأنظمة بطريقة تمنع الخطأ أصلًا، بدل انتظار وقوعه ثم محاولة معالجته. وقد بدأت هذه الفكرة في خطوط الإنتاج الصناعية، ثم انتقلت لاحقًا إلى الإدارة والحوكمة وإدارة الجودة واتخاذ القرار.
كما أن الخطأ الذي تقع فيه كثير من الدول والمؤسسات يتمثل في محاولة نسخ النماذج العالمية كما هي، دون مراعاة الفروقات الثقافية والإدارية والاجتماعية والاقتصادية. فالنماذج الناجحة عالميًا لا تُطبَّق بطريقة ميكانيكية، بل تخضع دائمًا لعمليات
Customization
أي التكييف وإعادة المواءمة بما يتناسب مع البيئة المحلية، ودرجة نضج المؤسسات، والثقافة الإدارية السائدة، وطبيعة المجتمع والتحديات القائمة.
ولهذا فإن نجاح أي نموذج إداري أو سياسي لا يعتمد فقط على جودة الفكرة نفسها، بل على القدرة على تحليل الواقع بشكل صحيح، ثم تصميم نموذج مناسب لإدارة التغيير، يأخذ بعين الاعتبار جاهزية المؤسسات، والكفاءات البشرية، والتشريعات، والثقافة العامة، وآليات الرقابة والمساءلة.
فالدول والمؤسسات الناجحة لا تعتمد فقط على “الأشخاص الجيدين”، بل تبني أنظمة تقلل احتمالية الخطأ، وتمنع وصول القرار الخاطئ أو الشخص غير المناسب إلى المواقع الحساسة منذ البداية.
لذلك لا يمكن الحديث عن تنمية حقيقية أو إدارة حديثة، بينما ما تزال بعض المواقع القيادية تُدار إما دون وجود وصف مهني ووظيفي دقيق، أو بوجوده شكليًا فقط دون تطبيق فعلي، ودون ربطه الحقيقي بالكفايات المطلوبة، والخبرات اللازمة، والمهارات القيادية والفنية الواجب توفرها لكل موقع.
في الدول التي نجحت إداريًا، لا تُترك المواقع الحساسة للتجربة والخطأ، ولا تُدار بمنطق الشعبية أو الحضور الاجتماعي فقط، بل تُبنى على توصيف مهني واضح، وعلى منظومة حوكمة تضع معايير دقيقة للترشح والاختيار واتخاذ القرار وقياس الأداء والمساءلة.
وأرى أن النقاش الحقيقي اليوم يجب أن ينتقل من الجدل حول النماذج نفسها، إلى سؤال أكثر عمقًا:
هل نمتلك أصلًا بيئة قادرة على تطبيق هذه النماذج باحترافية وكفاءة؟
فبناء الدول لا يبدأ من استيراد الأنظمة أو تطبيقها شكليًا، بل من بناء الإنسان، والمعايير، والحوكمة، وإدارة التغيير، ثم تأتي بقية الأدوات السياسية والإدارية كنتيجة طبيعية لهذا النضج.
وفي كثير من الأحيان، استوردنا “الانتخابات” كأداة، لكننا لم نستورد أو نبنِ بنفس المستوى العناصر الأهم التي تجعل هذه النماذج تنجح فعليًا؛ كالتعليم، والوعي السياسي، والإدارة العامة المحترفة، والحوكمة، والرقابة المؤسسية، والمعايير الدقيقة لاختيار الكفاءات.
ولهذا تحولت العملية السياسية أحيانًا إلى منافسات شعبوية وصراعات مصالح وهويات، ودخل المال السياسي وبورصة الإنفاق الانتخابي بقوة إلى المشهد، وأصبح الوصول إلى مواقع القرار يعتمد في بعض الحالات على القدرة على الحشد والتأثير العاطفي أكثر من الكفاءة والخبرة والقدرة على الإدارة.
والأمر ذاته ينطبق على أنظمة الإدارة المحلية واللامركزية. فهذه النماذج أثبتت نجاحها في كثير من دول العالم، لكن نجاحها لم يكن لأنها مجرد هياكل إدارية أو انتخابات محلية، بل لأنها تعمل ضمن منظومة متكاملة من الحوكمة، والمعايير، والكفاءات، والرقابة المؤسسية، والمساءلة، ووضوح الأدوار والصلاحيات.
ومن هنا، أعتقد أن المشكلة الحقيقية ليست في الديمقراطية أو اللامركزية أو أي نموذج إداري حديث، بل في غياب التطبيق الاحترافي، وغياب الحوكمة الفعلية، وغياب ما أسميه “بوابات التصحيح”
Correctness Gates
وهي منظومة من المعايير والضوابط المؤسسية التي تمنع وصول الأشخاص غير المناسبين إلى مواقع القرار، وتمنع كذلك مرور القرارات الخاطئة قبل أن تتحول إلى أزمات يصعب علاجها لاحقًا.
وهذا المفهوم ليس بعيدًا عن الفلسفات الإدارية الحديثة التي نجحت عالميًا، ومنها الفلسفة اليابانية
Poka-Yoke
والتي تقوم على تصميم الأنظمة بطريقة تمنع الخطأ أصلًا، بدل انتظار وقوعه ثم محاولة معالجته. وقد بدأت هذه الفكرة في خطوط الإنتاج الصناعية، ثم انتقلت لاحقًا إلى الإدارة والحوكمة وإدارة الجودة واتخاذ القرار.
كما أن الخطأ الذي تقع فيه كثير من الدول والمؤسسات يتمثل في محاولة نسخ النماذج العالمية كما هي، دون مراعاة الفروقات الثقافية والإدارية والاجتماعية والاقتصادية. فالنماذج الناجحة عالميًا لا تُطبَّق بطريقة ميكانيكية، بل تخضع دائمًا لعمليات
Customization
أي التكييف وإعادة المواءمة بما يتناسب مع البيئة المحلية، ودرجة نضج المؤسسات، والثقافة الإدارية السائدة، وطبيعة المجتمع والتحديات القائمة.
ولهذا فإن نجاح أي نموذج إداري أو سياسي لا يعتمد فقط على جودة الفكرة نفسها، بل على القدرة على تحليل الواقع بشكل صحيح، ثم تصميم نموذج مناسب لإدارة التغيير، يأخذ بعين الاعتبار جاهزية المؤسسات، والكفاءات البشرية، والتشريعات، والثقافة العامة، وآليات الرقابة والمساءلة.
فالدول والمؤسسات الناجحة لا تعتمد فقط على “الأشخاص الجيدين”، بل تبني أنظمة تقلل احتمالية الخطأ، وتمنع وصول القرار الخاطئ أو الشخص غير المناسب إلى المواقع الحساسة منذ البداية.
لذلك لا يمكن الحديث عن تنمية حقيقية أو إدارة حديثة، بينما ما تزال بعض المواقع القيادية تُدار إما دون وجود وصف مهني ووظيفي دقيق، أو بوجوده شكليًا فقط دون تطبيق فعلي، ودون ربطه الحقيقي بالكفايات المطلوبة، والخبرات اللازمة، والمهارات القيادية والفنية الواجب توفرها لكل موقع.
في الدول التي نجحت إداريًا، لا تُترك المواقع الحساسة للتجربة والخطأ، ولا تُدار بمنطق الشعبية أو الحضور الاجتماعي فقط، بل تُبنى على توصيف مهني واضح، وعلى منظومة حوكمة تضع معايير دقيقة للترشح والاختيار واتخاذ القرار وقياس الأداء والمساءلة.
وأرى أن النقاش الحقيقي اليوم يجب أن ينتقل من الجدل حول النماذج نفسها، إلى سؤال أكثر عمقًا:
هل نمتلك أصلًا بيئة قادرة على تطبيق هذه النماذج باحترافية وكفاءة؟
فبناء الدول لا يبدأ من استيراد الأنظمة أو تطبيقها شكليًا، بل من بناء الإنسان، والمعايير، والحوكمة، وإدارة التغيير، ثم تأتي بقية الأدوات السياسية والإدارية كنتيجة طبيعية لهذا النضج.
وسوم:
شارك المقال:
الرجاء الانتظار ...
التعليقات