د.عبدالله محمد القضاه يكتب: الأردن يتسع للجميع: التعددية قوة وطنية لا ترفا

منذ 1 ساعة
المشاهدات : 9843
د.عبدالله محمد القضاه يكتب: الأردن يتسع للجميع: التعددية قوة وطنية لا ترفا
د.عبدالله محمد القضاه

د.عبدالله محمد القضاه

في عالم تتلاطم فيه أمواج الصراعات والانقسامات، يبرز الأردن كنموذج يحتذى به في احتضان التعددية والتنوع، ليس كخيار سياسي أو اجتماعي ثانوي، بل كركيزة أساسية من ركائز قوته الوطنية ومصدر إلهام لمستقبله. إن الفكر المتنوع في الأردن، كما يؤكد المفكرون والقيادة الهاشمية، ليس ترفًا سياسيًا أو اجتماعيًا، بل هو عنصر قوة أصيل يدار ضمن مشروع وطني جامع يحترم سيادة القانون والدستور، ويفسح المجال للتنافس البناء على البرامج لا على الإقصاء.


تقوم فكرة الدولة الأردنية على مبدأ دستوري راسخ، حيث تحكمها المؤسسات لا الأهواء، والقانون لا المزاج. هذا الإطار المؤسسي يضمن تمثيل الأفراد والجماعات في القرار العام من خلال السلطة التشريعية المستقلة، وقضاء نزيه ومفتوح للجميع. إن الاستقرار الحقيقي، كما يؤكد الخطاب الرسمي، يُبنى على احترام المرجعية القانونية وتوازن السلطات. ومن هنا، فإن أي مشروع سياسي يدعي امتلاك الحقيقة الوطنية أو يختزل الوطن في تيار واحد، يصطدم بروح الدولة الأردنية التي قامت على التنوع والشمولية.


لقد أكدت الأوراق النقاشية لجلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين، وخاصة الورقة النقاشية الرابعة ، على أهمية المواطنة الفاعلة كشرط أساسي للمشاركة السياسية، ودورها في تعزيز الديمقراطية. هذه الرؤية الملكية تؤكد أن التعددية ليست مجرد قبول للآخر، بل هي دعوة للمشاركة الفاعلة والبناء المشترك.

يؤكد الإسلام، في جوهره، على مبادئ التنوع والتعايش والمساواة بين البشر، معتبرًا إياها سننًا كونية وحقائق إنسانية لا يمكن إنكارها. فالقرآن الكريم يدعو إلى التعارف والتفاهم بين الشعوب والقبائل، ويجعل التقوى هي المعيار الوحيد للتفاضل بين الناس، لا اللون أو الجنس أو الأصل. يقول الله تعالى في محكم تنزيله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (الحجرات:13): هذه الآية الكريمة ترسخ مبدأ التنوع البشري كقيمة إيجابية تهدف إلى التعارف والتعاون، لا إلى التنازع والفرقة.
كما أن التعددية في الفكر الإسلامي تتجلى في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً ۖ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾(هود18: ). هذه الآية إقرار إلهي بأن الاختلاف سنة كونية، وأن محاولة صهر الناس في قالب واحد تتنافى مع إرادة الخالق. ومن السنة النبوية الشريفة، نجد أحاديث تؤكد على المساواة بين الناس ونبذ التمييز. فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع: "يا أيها الناس، إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، كلكم لآدم وآدم من تراب، لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لأحمر على أسود إلا بالتقوى". هذا الحديث الشريف يضع أساسًا متينًا للمساواة الإنسانية، ويرفض أي شكل من أشكال التمييز على أساس العرق أو اللون، ويجعل التقوى هي الميزان الحقيقي عند الله.
إن التعددية السياسية والفكرية في الأردن ليست مجرد شعار، بل هي ضرورة حتمية لبناء مجتمع قوي ومتماسك وقادر على مواجهة التحديات. فالديمقراطيات الحديثة تتعرض لضغوط متزايدة، وتتغلب فيها الشعبوية والاستقطابات الحادة. ولتعزيز الثقة بالمؤسسات، وتحسين الانفتاح، ورفع مستوى الشمولية، لا بد من توسيع المشاركة المجتمعية والحكومية. يؤكد البنك الدولي أن التدخلات التنموية التي تبني الثقة بين المجتمعات، وبين المواطن والدولة والقطاع الخاص، تساهم في تعزيز التماسك الاجتماعي. كما يشدد برنامج الأمم المتحدة الإنمائي على أن المقاربة المتمحورة حول الناس، والقائمة على المساءلة والإنصاف والمشاركة، تدعم "العقد الاجتماعي" وتخلق علاقة أكثر متانة بين الدولة والمجتمع.
من هنا، فإن اليمين مطلوب كما اليسار، والوسط مطلوب كما اليمين. فالمجتمع السليم لا يدار بصوت واحد أو برؤية واحدة، بل بتعددية تمثل مصالح الناس وتطلعاتهم المختلفة. المهم ليس إلغاء تيار آخر، بل محاورته وإقناعه والتنافس معه ببرامج قابلة للتنفيذ، لا بشعارات التخوين أو احتكار الوطنية. هذه الفكرة ليست غريبة عن الرؤية الأردنية الرسمية، فالدولة، بحسب الخطاب الملكي، لا تصنع الأحزاب من الأعلى، بل تهيئ لها البيئة، وتريد عملاً حزبيًا جماعيًا يمثل الجميع، بينما اختلاف الآراء حق للجميع و"صحي" ما دام داخل إطار الفعل السياسي المسؤول.
الأردن: نموذج للتسامح والتعايش
إن الأردن اليوم بحاجة إلى مدرسة سياسية جديدة تقول بوضوح: لا إقصاء بعد اليوم، ولا وصاية فكرية على الوطن، ولا حزب يزعم أنه المنقذ الوحيد. فالإنقاذ الحقيقي يصنعه التنافس الشريف، والمساءلة، وتداول الأفكار، وتقديم حلول واقعية لقضايا الناس: الاقتصاد، التعليم، العمل، العدالة، والكرامة. بهذا المعنى، تصبح التعددية الحزبية والفكرية ليست مصدر تهديد للنسيج الاجتماعي، بل إحدى ضمانات بقائه قويًا، متماسكًا، وقادرًا على عبور التحولات بثقة وثبات.
إن التنوع الثقافي والفكري في الأردن يعزز التسامح ويقلل من التعصب والعنصرية، ويولد أفكارًا جديدة تدفع بالإبداع والتطور. إنه محرك للتنمية الشاملة، ويعزز حقوق الإنسان والاعتراف بها، ويدعم قدرات الإبداع في المجتمع. إن الأردن، بتاريخه العريق واحتضانه لمختلف الأطياف، يقدم نموذجًا حيًا لكيفية تحويل التنوع إلى قوة دافعة للتقدم والازدهار.
* أمين عام سابق
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم