الكعابنة يكتب: على سبيل كُتّاب الذكاء الاصطناعي (ثرثرةٌ بلا جذر: حين يتكلّم من لم يقر)

منذ 2 ساعة
المشاهدات : 8208
الكعابنة يكتب: على سبيل كُتّاب الذكاء الاصطناعي (ثرثرةٌ بلا جذر: حين يتكلّم من لم يقر)
زيد مفلح الكعابنة

زيد مفلح الكعابنة

لم تكن الكتابة في سالف الدهر صناعة يد تُكتسب، وإنما كانت سيادة نفس تُستحق، ولم يكن الكاتب صانع ألفاظ بل صانع معانٍ تُشرق في نفسه ثم تسري في غيره. كان يحمل من ميراث الحكماء قبسًا، فإذا كتب أحيا، وإذا عبّر أقام للفكرة كيانًا نابضًا له روح تُحس وأثر يُدرك.

وكان النص يُولد ولادة عسيرة من رحم المعاناة وطول المدارسة، فتتعهده التجربة وتهذبه الأيام حتى يخرج محكمًا فيه سمة صاحبه كما تُعرف السلالة في قسمات الأبناء، لذلك كانت الكلمة تُهاب لأنها صادرة عن حقيقة مشفوعة بصدق قائمة على معاناة.

ثم انقلبت الموازين فهانت الكتابة وسقطت منازلها حين أُعطيت لمن لم يُعانها وتصدّر لها من لم يكدّ لها، فغدا القول مبذولًا والعبارة مشاعًا يتناولها كل لسان لا عن تجربة تُثمر بل عن آلة تُنشئ وتُقلّد، فإذا الألسنة سواء والعبارات متشابهة كأنها صيغت في قالب واحد، رونق في الظاهر وفراغ في الباطن.

وصارت النصوص نسخًا مكرورة لا تمايز بينها إلا تمايز الصور إذا نُزعت منها الملامح، واستوى في ذلك المدح والرثاء والتاريخ وخبر الساعة، نبرة واحدة وذوق واحد لا حرارة فيه ولا رجفة حياة، فأما من خبروا الكتابة وعرفوا معدنها فإنهم يدركون زيف هذا الصنيع من أول نظرة كما يدرك الصيرفي زيف النقد من جرسه.

وقد كثر القول حتى ابتُذل وسهل البيان حتى رخص وقلّ الصدق حتى عزّ، وليس كل من نسق الألفاظ كاتبًا ولا كل من أحسن العبارة محسنًا للفكرة، فإن الكتابة محنة عقل وامتحان وجدان لا تُعطي سرها لمن لم يقاسها ولا تفتح بابها لمن لم يُحسن الوقوف عليها.

والكتابة لا تقوم إلا على ذخيرة من المعرفة وزمن يُبذل وتفرغ يُصان، لذلك كان كبار الكتّاب أهل عزلةٍ ومكابدة، يفرّغون أعمارهم في طلب المعنى قبل صوغه. فمنهم من استوعب آلاف الكتب قبل أن يضع موسوعته، ومنهم من رابط في المكتبات أعوامًا حتى استخرج أعظم آثاره، ومنهم من آثر العزلة ليصفّي فكره حتى خرج بما صار أصلًا في العلم، وآخرون أفنوا عشرات السنين بين قراءة وتمحيص، يقضون الساعات الطوال كل يوم حتى أخرجوا للناس خلاصة أعمارهم في أعمال خالدة.

وقد يقرأ بعض الناس هذا فيداخله الوهن، ولكن صاحب العقل لا يورثه ذلك إلا عزمًا، لأن هذه الأخبار لا تُقال لليأس بل للتحريض، ولا تُذكر للتثبيط بل للاستنهاض. فاعلم أن القلم لا يشرق إلا بزاد، وأن الفكرة لا تؤثّر إلا بتراكم، وأن القراءة إذا صاحبتها تجربة الحياة قوّمت النظر وهذّبت الذوق وزادت الحدس نفاذًا.

وما يزال المرء في طريق المعرفة كلما ازداد قراءة وخبرة ازداد علمًا بنقصه، ورأى من خطأ رأيه القديم ما لم يكن يراه، فيودّ لو عاد ليُصلح ويُنضج، وذلك أول دلائل النضج لا نقص فيه، لأن العلم طريق طويل لا يُقطع في مرحلة، وغنيمته لا تُنال دفعة واحدة، وإنما تتضاعف بالصبر والمواصلة.

وخلاصة القول أن الكتابة ليست زخرفًا يُستعار ولا صوتًا يُردّد، وإنما هي صدق يُستخرج ومعاناة تُعاش، فمن لم يحترق بها بقي بارد الأثر وإن أطال القول، ومن لم يصدق فيها بقي صدى لغيره وإن زخرف العبارة.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم