المجالي يكتب: مسكينٌ أنتَ يا وطن .. "أبطال الشاشات" ورهانُ الخريف الخاسر

منذ 2 ساعة
27489
  المجالي يكتب: مسكينٌ أنتَ يا وطن ..  "أبطال الشاشات" ورهانُ الخريف الخاسر
نضال أنور المجالي

نضال أنور المجالي

تتعددُ الجراحُ التي تُصيب جسد الأوطان، لكنّ أقساها طعنةٌ تأتي من يدِ مَن أكَل من خيرها حتى شبع، وارتوى من مائها حتى ارتووا، ثم حين استدار الظلُّ واشتدّ العود، حمل حجارته ليرجم البيت الذي آواه. "مسكينٌ يا هذا الوطن"، عبارةٌ تختصر مشهداً بات يتكرر في زمن "البطولات الرقمية" الزائفة، حيث يُباع الانتماء في سوق "اللايكات" والمشاهدات، ويُقايض الوفاء بحفنة من التفاعلات الوهمية.
​عقوقٌ على الهواء مباشرة
​نحن اليوم أمام ظاهرة غريبة لثلة من الأشخاص الذين تشبعت عروقهم من خيرات هذا الوطن، وربما تقلّدوا فيه المناصب، أو استفادوا من خيرات مؤسساته وأمنه، ثم وبمجرد خروجهم خلف الحدود أو اعتزالهم خلف شاشات هواتفهم، تحولوا فجأة إلى "منظرين" و"ثوار" غبّ الطلب.
​هؤلاء لا يبحثون عن إصلاح، بل عن صناعة "هوية رقمية" قائمة على التشويه والردح. يستخدمون شاشاتهم كمنصات لإطلاق سهام التشكيك في كل منجز، باحثين عن انتصارات وهمية ومجدٍ زائف يُقاس بعدد "الإعجابات"، متناسين أن كرامة الإنسان من كرامة أرضه، وأن من ينهش في خاصرة أهله ليرضي الغرباء لا يربح إلا هواناً في عيون الطرفين؛ فلا الوطن يصفح، ولا الغريب يحترم من خان أصله.
​خريف العمر.. حين تسقط الأقنعة
​المفارقة المضحكة المبكية هي ذلك "السيناريو" المتكرر الذي نرقبه في خريف العمر؛ فبعد سنوات من الضجيج والعويل الرقمي، وبعد أن ينهك الجسدَ المرض، وتثقل الكاهل السنون، وتضيق بهم بلاد الغربة التي ظنوا أنها الملاذ الدائم، يبدأ هؤلاء "الأبطال" في التفتيش عن طريق العودة.
​عندما يبدأ الواحد منهم في مراحله الأخيرة، وتتداعى القوى، لا يجدون حضناً يلمّ شتاتهم سوى هذا الوطن "المسكين" الذي أوسعوه شتماً وقدحاً. يعودون بحثاً عن ترابٍ يضم رفاتهم، أو مستشفىً وطني يعالج أوجاعهم، متناسين كل ما نفثوه من سموم خلف الشاشات. هي لحظة الحقيقة التي تسقط فيها كل الأقنعة، ويظهر فيها الوطن كبيراً بصفحه، وصغيراً بمَن أساء إليه.
​بين النقد البنّاء والارتزاق الرقمي
​إننا في بلدٍ يحترم الرأي، ولا بد أن نفرق بوضوح بين:
​الناقد المحب: الذي يتألم لألم الوطن، وينتقد بمرارة المحب ليرتقي بالبناء، ويبقى مرابطاً على ثراه، يدفع ضريبة قوله صدقاً وعملاً ولا يغادر الخندق.
​المتاجر بالأزمات: الذي يجلس في المقاهي البعيدة أو الغرف المظلمة، ينتظر أي عثرة ليحولها إلى "محتوى" جاذب للمتابعين، متخذاً من الهجوم على الثوابت وسيلة للارتزاق المعنوي أو المادي.
​ الوطن ليس فندقاً
​إن الوطن ليس فندقاً نغادره حين تسوء الخدمة ونتذمر من طعامه، بل هو الروح التي لا تسكن إلا في جسدها الأصيل. هؤلاء الذين يبحثون عن بطولات خلف الشاشات هم في الحقيقة "مساكين" أكثر من الوطن نفسه؛ لأنهم أضاعوا البوصلة، واستبدلوا الولاء باللايك، والوفاء بالعقوق.
​رسالة إلى هؤلاء: الشاشات تنطفئ، والمتابعون يرحلون، واللايكات لا تشفي وجعاً ولا تبني مجداً عند الوقوف بين يدي التاريخ. أما الوطن، فيبقى شامخاً، يفتح ذراعيه حتى للعاقّين حين يدركهم الندم، ليس ضعفاً منه، بل لأنه شامخٌ كالجبال.. وأنتم العابرون.حفظ الله الأردن والهاشمين
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم